Posts Tagged ‘syria’

maxresdefault

مطرب الملوك، زرياب، مطرب العاشقين، سفير الطرب، راهب العشاق، ألقاب كثيرة نالها أديب الدايخ عن جدارة، فهو صاحب مساحة صوتية خارقة إذ كان ينتقل من النغمة المرتفعة الحادة إلى المنخفضة بسهولة متناهية كما كان ينتقل من مقام إلى آخر ببراعة فائقة، كان ملماً بعلم وفنّ المقامات ومتمكنًا من الفهرس العلمي لها، كان يتفنن بالارتجال المتناسق من مقام إلى آخر بصوته اللين وخامته النقية.

*****

تعتبر مدينة حلب مركز إشعاع حضارياً و ثقافياً منذ القدم حيث اشتهرت في العديد من المجالات أهمهاالثقافة والفنون، والمعروف عن أهل حلب شغفهم بالموسيقى العربية التراثية الاصيلة وإبداعهم في أداء الموشحات الأندلسية وغيرها من التخصصات الغنائية، فمدينة حلب تعتبر وبلا منازع عاصمة الطرب في الوطن العربي ومنبراً للعديد من رواد الطرب الاصيل أمثال صباح فخري ومحمد خيري وصبري مدلل وأديب الدايخ بالإضافة إلى العديد من كبار الملحنين أمثال الشيخ عمر البطش الذي لحن ما يزيد عن مئة موشح وبكري الكردي وكذلك تلامذة الشيخ عمر البطش أمثال بهجت حسان وعبد القادر حجار وغيرهم من الكثير من المبدعين.

*****

قولوا لها إنني لازلت أهواها
مهما يطول النوى لا أنسى ذكراها
هي الأمانى من الدنيا
هى أملى هى السعادة ما أحلاها وأشهاها
هى التى علمتنى كيف أعشقها
هى التى قد سقتنى شهد ريّاها
الشعر من وحيها دُرٌ مُرصعٌ
والفن من لحنِها واللحن مغناها
نور من الله سواها لنا بشراً
كساها حُسناً وجملها وحلاها
فإن عبدتها لا إشراك بالله
لأننى فى هواها أعبد الله

*****

أنغام ناي، مجموعة رجال يجلسون في دائرة يطربون لصوته ويرددون الآه انتشاءً، يتوسطهم أديب الدايخ بطربوشه الأحمر ويصدح بكلمات القصيدة. يعزف العازف الناي بين الجملة الموسيقية والأخرى ثم يسكت ليصدح الدايخ بصوته الرخيم الذي يفوق عزف الناي عذوبة في واحدة من السهرات الخاصة في بيوتات حلب التي كان يفضلها الدايخ على المسارح والمطاعم لما فيها من تآلف وانسجام بعيداً عن شوائب الضجيج وتصنع الذائقة.

******

وُلد أديب الدايخ في مدينة حلب عام 1938، والده الشيخ محمد الدايخ، القارئ ذو الصوت العذب والأذن الموسيقية الذي التقط صوت ابنه الطفل أديب، فعلّمه قصائد العرب وأئمة الصوفية وشعراءها. بدأ يحيي حفلات القرآن في سنّ صغيرة وبرزت موهبته حتى سُمي بأعجوبة حلب.

كبر الطفل وبدأ منذ سن الـ 15 سنة بتجميع القصائد والأشعار التي حفظ نحو عشرة آلاف بيت منها جمعها في مجموعة خاصة به سماها «الكنز الكبير» إذ ضمّت آلاف الشعراء من العصر الجاهلي والأموي والعباسي حتى العصر الحديث.

صدح صوته في أواخر السبعينيات من إذاعة مونت كارلو فأثار اهتماماً واسعاً في الوسط الفني اللبناني وراحت المجلات الفنية تكتب عن صاحب الصوت الذي راح يتردد في جميع محلات بيع التسجيلات في بيروت وتحول إلى ظاهرة فيها حتى كتب وليد غلمية بأن صاحب الصوت رجل اسمه أديب الدايخ من مدينة حلب.

*****

يومَ الوَداعِ فلا سَقَتْكَ طَلولُ
كم أَرَّقَتْنا في البُعادِ طُلولُ
رِقِّي (سُعادُ) وودِّعينا فالنَوى
مُرٌّ ـ فَدَيْتُكِ ـ والفراقُ طويلُ
لا ذُقتِ ما ذاق الفؤادُ من الهوى
أبَداً فما أمرُ الغرامِ قليلُ
أوَ تُسعفين أيا سعادُ بنظرةٍ؟
يا أُ نْسَ روحي هل لذاك سبيلُ ؟
فلعلّني أَقضي وأُدْفَنُ عندها
وعسى تُوافي تُرْبتي وتَقولُ
نَمْ يا حبيبي ما عرفتُك صادقاً
حتى قضيت وحان منك رحيلُ
نَمْ يا حبيبي قد وهبتك مهجتي
يومَ القيامةِ إذ يدومُ وُصولُ
حَرَّمْتُ نفسي عن سواكَ وإنني
حتى نُزَفَّ إلى الجِنانِ بَتولُ
إن حَرَّم المَوْلى لقانا هاهنا
فلنا لقاءٌ في الجِنانِ يطولُ
وهناك لن نلقى عذولاً ظالماً
ما ثَمَّ إلاّ خُلَّةٌ وخليلُ
إن العواذلَ أَسرفوا في عَذلنا
يا ليتَ شعري هل هناك عذولُ؟

******

هي أشهر قصيدة غناها أديب الدايخ وتعتبر من أجمل القصائد التي كتبها إبن إدلب الشاعر عبد القادر الأسود، أداها الدايخ بمنتهى الشجن فحملت كلماتها بصوته معاني العشق والشوق والهوى.

*****

اشتهر أديب الدايخ لاحقاً عندما خرج من حلب متوجهاً الى أوروبا والغرب لإقامة حفلاته التي جعلت من متذوقي الفن حول العالم يشهدون له من دون أن يعلموا ويفهموا معاني القصائد التي يغنيها، وبعد مغادرته حلب راح بعض المعجبين بصوته ومواويله ينسخون ما لديهم من نوادر تسجيلاته ويتداولونها ويحافظون عليها ككنز لامثيل له فانتشرت أشرطة التسجيل النادرة جداً في دائرة ضيقة من الوسط الفن.

 

أمضى أديب الدايخ معظم حياته في نشر التراث العربي في العديد من البلدان العربية والأجنبية، ونال عدة أوسمة وألقاب، وكانت آخر حفلة له في معرض دمشق الدولي حيث وافته المنية بعدها عام 2001 عن عمر يناهز الثلاثة والستين عاماً.

Advertisements