Posts Tagged ‘music’

maxresdefault

مطرب الملوك، زرياب، مطرب العاشقين، سفير الطرب، راهب العشاق، ألقاب كثيرة نالها أديب الدايخ عن جدارة، فهو صاحب مساحة صوتية خارقة إذ كان ينتقل من النغمة المرتفعة الحادة إلى المنخفضة بسهولة متناهية كما كان ينتقل من مقام إلى آخر ببراعة فائقة، كان ملماً بعلم وفنّ المقامات ومتمكنًا من الفهرس العلمي لها، كان يتفنن بالارتجال المتناسق من مقام إلى آخر بصوته اللين وخامته النقية.

*****

تعتبر مدينة حلب مركز إشعاع حضارياً و ثقافياً منذ القدم حيث اشتهرت في العديد من المجالات أهمهاالثقافة والفنون، والمعروف عن أهل حلب شغفهم بالموسيقى العربية التراثية الاصيلة وإبداعهم في أداء الموشحات الأندلسية وغيرها من التخصصات الغنائية، فمدينة حلب تعتبر وبلا منازع عاصمة الطرب في الوطن العربي ومنبراً للعديد من رواد الطرب الاصيل أمثال صباح فخري ومحمد خيري وصبري مدلل وأديب الدايخ بالإضافة إلى العديد من كبار الملحنين أمثال الشيخ عمر البطش الذي لحن ما يزيد عن مئة موشح وبكري الكردي وكذلك تلامذة الشيخ عمر البطش أمثال بهجت حسان وعبد القادر حجار وغيرهم من الكثير من المبدعين.

*****

قولوا لها إنني لازلت أهواها
مهما يطول النوى لا أنسى ذكراها
هي الأمانى من الدنيا
هى أملى هى السعادة ما أحلاها وأشهاها
هى التى علمتنى كيف أعشقها
هى التى قد سقتنى شهد ريّاها
الشعر من وحيها دُرٌ مُرصعٌ
والفن من لحنِها واللحن مغناها
نور من الله سواها لنا بشراً
كساها حُسناً وجملها وحلاها
فإن عبدتها لا إشراك بالله
لأننى فى هواها أعبد الله

*****

أنغام ناي، مجموعة رجال يجلسون في دائرة يطربون لصوته ويرددون الآه انتشاءً، يتوسطهم أديب الدايخ بطربوشه الأحمر ويصدح بكلمات القصيدة. يعزف العازف الناي بين الجملة الموسيقية والأخرى ثم يسكت ليصدح الدايخ بصوته الرخيم الذي يفوق عزف الناي عذوبة في واحدة من السهرات الخاصة في بيوتات حلب التي كان يفضلها الدايخ على المسارح والمطاعم لما فيها من تآلف وانسجام بعيداً عن شوائب الضجيج وتصنع الذائقة.

******

وُلد أديب الدايخ في مدينة حلب عام 1938، والده الشيخ محمد الدايخ، القارئ ذو الصوت العذب والأذن الموسيقية الذي التقط صوت ابنه الطفل أديب، فعلّمه قصائد العرب وأئمة الصوفية وشعراءها. بدأ يحيي حفلات القرآن في سنّ صغيرة وبرزت موهبته حتى سُمي بأعجوبة حلب.

كبر الطفل وبدأ منذ سن الـ 15 سنة بتجميع القصائد والأشعار التي حفظ نحو عشرة آلاف بيت منها جمعها في مجموعة خاصة به سماها «الكنز الكبير» إذ ضمّت آلاف الشعراء من العصر الجاهلي والأموي والعباسي حتى العصر الحديث.

صدح صوته في أواخر السبعينيات من إذاعة مونت كارلو فأثار اهتماماً واسعاً في الوسط الفني اللبناني وراحت المجلات الفنية تكتب عن صاحب الصوت الذي راح يتردد في جميع محلات بيع التسجيلات في بيروت وتحول إلى ظاهرة فيها حتى كتب وليد غلمية بأن صاحب الصوت رجل اسمه أديب الدايخ من مدينة حلب.

*****

يومَ الوَداعِ فلا سَقَتْكَ طَلولُ
كم أَرَّقَتْنا في البُعادِ طُلولُ
رِقِّي (سُعادُ) وودِّعينا فالنَوى
مُرٌّ ـ فَدَيْتُكِ ـ والفراقُ طويلُ
لا ذُقتِ ما ذاق الفؤادُ من الهوى
أبَداً فما أمرُ الغرامِ قليلُ
أوَ تُسعفين أيا سعادُ بنظرةٍ؟
يا أُ نْسَ روحي هل لذاك سبيلُ ؟
فلعلّني أَقضي وأُدْفَنُ عندها
وعسى تُوافي تُرْبتي وتَقولُ
نَمْ يا حبيبي ما عرفتُك صادقاً
حتى قضيت وحان منك رحيلُ
نَمْ يا حبيبي قد وهبتك مهجتي
يومَ القيامةِ إذ يدومُ وُصولُ
حَرَّمْتُ نفسي عن سواكَ وإنني
حتى نُزَفَّ إلى الجِنانِ بَتولُ
إن حَرَّم المَوْلى لقانا هاهنا
فلنا لقاءٌ في الجِنانِ يطولُ
وهناك لن نلقى عذولاً ظالماً
ما ثَمَّ إلاّ خُلَّةٌ وخليلُ
إن العواذلَ أَسرفوا في عَذلنا
يا ليتَ شعري هل هناك عذولُ؟

******

هي أشهر قصيدة غناها أديب الدايخ وتعتبر من أجمل القصائد التي كتبها إبن إدلب الشاعر عبد القادر الأسود، أداها الدايخ بمنتهى الشجن فحملت كلماتها بصوته معاني العشق والشوق والهوى.

*****

اشتهر أديب الدايخ لاحقاً عندما خرج من حلب متوجهاً الى أوروبا والغرب لإقامة حفلاته التي جعلت من متذوقي الفن حول العالم يشهدون له من دون أن يعلموا ويفهموا معاني القصائد التي يغنيها، وبعد مغادرته حلب راح بعض المعجبين بصوته ومواويله ينسخون ما لديهم من نوادر تسجيلاته ويتداولونها ويحافظون عليها ككنز لامثيل له فانتشرت أشرطة التسجيل النادرة جداً في دائرة ضيقة من الوسط الفن.

 

أمضى أديب الدايخ معظم حياته في نشر التراث العربي في العديد من البلدان العربية والأجنبية، ونال عدة أوسمة وألقاب، وكانت آخر حفلة له في معرض دمشق الدولي حيث وافته المنية بعدها عام 2001 عن عمر يناهز الثلاثة والستين عاماً.

Advertisements

lhasa

رحلت بسلام بعد مضي الأعياد، كما لو أنها لم تكن تريد إثقال كاهل عائلتها برحيلها في فترة الأعياد، أغمضت عينيها للمرّة الأخيرة قبيل منتصف ليل الأول من كانون الثاني 2010، تساقطت الثلوج لمدة 4 أيام متتالية في مونتريال بعد ذلك اليوم الحزين الذي أرخى بثقله على محبيها حول العالم.

إسمها لاسا دي سالا، مكسيكية الأصل، أميركية المولد، كندية الجنسية، غنت الأحلام والترحال والعلاقات والحزن والحب، غنت بالفرنسية والإنكليزية والإسبانية، غنّت في المقاهي والحانات والملاهي، عكست أغانيها ثقافتها الأميركية والمكسيكية واللبنانية والفرنسية، غنّت منذ نعومة أظافرها حتى الرمق الأخير.

ولدت لاسا في 27 أيلول عام 1972 في مدينة نيويورك من أب مكسيكي وأم أميركية وتنقلت في طفولتها بين الولايات المتحدة والمكسيك حتى استقرت في سان فرانسيسكو مع والدتها وأخواتها في سنّ الـ 13 سنة بعد انفصال والدَيها، وبدأت هناك الغناء في أحد المقاهي، انتقلت عام 1991 للعيش في مونتريال لتغني لمدة 5 سنوات في الحانات حتى لمحها أحد المنتجين تغني أمام جمهور صغير في أحد الملاهي فأعجب بخامة صوتها وشخصيتها والكاريزما التي تتمتع بها فأنتج لها ألبومها الأول la llorona  الذي صدر عام 1997.

غنت لاسا باللغة الإسبانية في ألبومها الأول الذي لاقى نجاحاً ملفتاً في كندا وفرنسا وباع أكثر من 700 ألف نسخة وهو إنجاز مفاجئ لألبوم غير تجاري باللغة الإسبانية، فاز الألبوم المتأثر بالموسيقى المكسيكية وموسيقى الكليزمر والأغاني العاطفية وموسيقى الجاز والموسيقى الغجرية بجائزتَي فيليكس وجونو الكنديتَين وأطلق النجمة في سماء العالمية بأغانٍ غير تقليدية وأسلوب مختلف ومميّز.

بعد جولة في أوروبا وأمريكا الشمالية دامت عدّة سنوات، انتقلت لاسا الى فرنسا عام 1999 للانضمام إلى أخواتها اللواتي يعملن في السيرك .غنت لاسا في عرض الفرقة وعاشت في المقطورات مع أخواتها منتقلة من مكان إلى آخر مكررة حياة الترحال التي عاشتها في طفولتها حتى وصلت في نهاية المطاف إلى مرسيليا حيث شرعت بكتابة الأغاني مجدداً.

بعد تأليف ما يكفي من المواد، عادت لاسا الى مونتريال مع أغانيها الجديدة لإنتاج ألبومها الثاني “الحياة على الطريق” الذي صدر عام 2003 وضمّ أغانٍ باللغة الإنجليزية والفرنسية والإسبانية. كان الألبوم مختلفاً تماماً عن ألبومها الأول الذي أصدرته قبل 7 سنوات حيث جاء شخصياً ومتنوعاً من حيث مضمون الكلمات والألحان فتنوعت الأغاني من الرانشيرا العذبة والأنثوية إلى اللحن الإنجيلي الصاخب، ومن أغاني البلوز الإيقاعية إلى التهويدات الهادئة.

طافت لاسا 17 بلداً في جولة دامت سنتَين بعد تسجيل ألبومها الثاني وتعاونت مع مجموعة متنوعة من الفنانين كان أبرزهم المؤلف الموسيقي اللبناني ابراهيم معلوف، ألفت من بعدها كتاب “الطريق يغني” باللغة الفرنسية الذي يتكلم عن تجارب وانطباعات في حياة المغنية على الطريق مع أخواتها وعن الموسيقى وعن حياتها.

أدت عام 2006 أغنية السيدة فيروز “أعطني الناي وغني” التي كتبها جبران خليل جبران، تكريماً لجذورها اللبنانية وحبها الكبير للبنان الذي زارته في العام نفسه، كما وأدت الأغنية مجدداً في حفل موسيقي خيري في مونتريال تضامناً مع لبنان في الحرب التي شنها العدو الإسرائيلي عليه عام 2006.

سجلت لاسا ألبومها الثالث والأخير “لاسا” عام 2009 الذي أنتجته وكتبت جميع كلمات أغانيه باللغة الإنكليزية. أظهر الألبوم الذي  بذلت فيها المغنية جهداً واضحاً نضوجاً فنياً لدى لاسا، حيث استخدمت آلات موسيقية بسيطة لكن غير عادية فجاءت الألحان حميمية ودافئة كما جاءت الكلمات مرهفة وشفافة. بعد تسجيل الألبوم وقبل إصداره، تمّ تشخيص سرطان الثدي لدى المغنية الثلاثينية، فألغت جولتها العالمية التي كانت ستبدأ في نهاية عام 2009 بسبب مرضها.

بعد معركة دامت 21 شهراً مع سرطان الثدي، رحلت لاسا مساء الأول من كانون الثاني عام 2010 عن عمر يناهز الـ 37 سنة في منزلها في مونتريال. غابت الفنانة التي أغنت الموسيقى العالمية بصوتها الدافئ وأغنياتها المميزة والبعيدة عن صخب الأعمال الموسيقية الحديثة، والتي لو قدر لحياتها الفنية أن تستمرّ، لأضحت واحدة من أفضل فنانات جيلها.

http://www.qadita.net/featured/lhasa/

image1

هي صاحبة الصوب الشجي من زمن الفنّ الجميل، هي التي عاكستها الظروف وأضاعت الكثير من الفرص، هي التي في رصيدها أكثر من ستّة آلاف أغنية لم تؤرشَف وطوى النسيان معظمها، هي التي أطربت عبد الوهاب فدعاها إلى أنّ تسجل أغنياته القديمة الأولى بصوتها، هي التي عرض عليها بليغ حمدي باكورة أعماله لتختار بينها والتي لحّن من منزلها الباريسي لكبار الفنانين والفنانات، هي التي اختارت لها السيدة فيروز اسمها الفنّي، هي اللبنانية اليهودية التي تنقلت منذ صغرها بين العواصم العربية لتحقيق حلمها في الغناء، هي ابنة الموسيقي الحلبي فرج عواد والمغنية الاسكندرانية صالحة المصرية وشقيقة نرجس شوقي التي اشتهرت في العراق وغنت لكبار الملحنين العراقيين، هي زوجة محمد عبده صالح عازف القانون في فرقة أم كلثوم، وعبد الجليل وهبي صانع مجد الأغنية اللبنانية، وتوفيق الباشا أهم أعلام الموسيقى العربية واللبنانية، هي والدة الموسيقي وعازف البيانو اللبناني العالمي عبد الرحمن الباشا، هي بهية، بيبي، وداد وهبي، هي الفنانة وداد التي أغنت المكتبة الموسيقية العربية بأجمل الأغنيات ورحلت بصمت بعد أن طواها النسيان.

وُلدت وداد في تونس عام 1931 من أبوين يعملان في المجال الفني، والدتها هي المطربة الإسكندرانيّة صالحة المصريّة، ووالدها هو الفنان الحلبي فرج، كانت أغنياتها تبث بشكل يومي في الإذاعات العربية وغنت برفقة الكبير وديع الصافي في العديد من الحفلات بين بيروت وحلب مرددة “أنت وعذولي وزماني”، “يا ناسية وعدي”. ومن أوائل الأغنيات التي سجلتها بصوتها في الإذاعة اللبنانية أغنية “في غفوة الاحلام” و”مر الهوى قربي” من ألحان محمد عبدالكريم، بعد ذلك غنّت من ألحان عفيف رضوان “يا ساكن قلبي” و”يا حبيبة الكل” ولحسن الغندور “الف وردة ووردة” و”لولا الكلام” ومحمود الرشيدي “يا ليالي الهنا تعالي”. لحن لها زكي ناصيف “في وردة بين الوردات” وفيلمون وهبي “نجمات الليل جبتلو” وتوفيق باشا “لفتة نظر” و”لي حبيب” وأعاد الباشا بصوتها بعض الموشحات القديمة مثل “لما بدا يتثنى” بالاضافة إلى موشحات خاصة من ألحانه، وبصوتها أعاد أيضًا بعض أغاني سيد درويش منها أغنية “بصارة براجه”، ومن ألحان سامي الصيداوي غنّت وداد “يا ناعم” و”يسلم لي الفهم” و”صبحتو وما رد” و”لا قلبي ولا بعرفك” وقدم لها حليم الرومي عدة ألحان أيضاً.عوّاد، الذي كان رئيس الفرقة الموسيقيّة لمنيرة المهديّة. كانت حياة وداد حافلة بالترحال والتنقل بين العواصم العربية بحكم عمل والديها. في أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات، استقرت العائلة في بيروت. وبدأت وداد في الإذاعة الوطنية اللبنانية تغنّي السنباطي وليلى مراد وفايزة أحمد وعبد الحليم حافظ، ثم راحت تقوم بجولات فنية في لبنان وسوريا، حتى بلغت الخامسة عشرة. وحين سافرت برفقة والديها إلى القاهرة، تلقّت هناك عرضًا لتصوير تسعة أفلام كان يُفترض أن تجمعها بفناني العصر الذهبي في مصر من فريد الأطرش ومحمد فوزي وأنور وجدي مرورًا بفاتن حمامة، لكن والدها عارض الأمر وهجم عليها في استوديو التصوير وسحبها إلى الخارج. فرّت مع محمد عبده صالح، عازف القانون في فرقة أم كلثوم، الذي وعدها بأن يجعل منها نجمةً. لكن غيرته ظهرت بعد الزواج، وتوصّل والداها إلى استرجاعها منه بمساعدة أم كلثوم. ثم تزوجت من الشاعر اللبناني عبد الجليل وهبي واستفادت من خبراته وتواصلت مع الوسط الفني في لبنان. زواجها الثالث كان من الموسيقار اللبناني توفيق الباشا الذي يعتبر من الأسماء البارزة في التلحين والتوزيع الموسيقي في لبنان والوطن العربي، لحن لوداد عدة اغنيات كانت حافزًا لها على طريق الشهرة كما لحن لها الأغنية الخفيفة وأغنيات ذات الطابع الشرقي الأصيل والموشحات.

لعل أكثر ذكرياتها ألمًا هي خلافها مع محمد عبد الوهاب حيث قالت: “أكثر ما أندم عليه وسأبقى طوال حياتي هو أنني لم أوقع العقد الذي قدمه لي محمد عبد الوهاب. وقال لي مجدي العمروسي هذا عقد مع عبد الوهاب لإنتاج مجموعة أغاني له بصوتك قلت للعمروسي: سيبني أفكر. قال لي أنت مجنونة حدّ يقول أفكر مع عبد الوهاب؟ وزعل مني الموسيقار ومضت سنوات لألتقي به مجددًا في باريس، سمعني أغني في افتتاح إذاعة الشرق، بادرني بالقول: “فكرتي ولاّ لسه”.. تخيلي أنه لم ينسَ جوابي القديم. يومها عاد وطرح علي أغاني من ألحانه أسجلها بصوتي مثل “انت وعذولي وزماني” و “ما كانش عالبال” وغيرها لكن أولاد الحلال لعبوا بعقلي وقالوا: ولو خليه يلحن لك ألحان جديدة” جن جنونه عندما طالبته بألحان جديدة وقال: إيه الكلام اللي تقوليه يا وداد؟ دول أعز من أولادي. أنا اخترتك عشان أنت الصوت الوحيد القادر يؤديها. الجديد كلو مزيكا وكلام فاضي، لكن القديم ده أجمل شيء لحنته. ولم أمضي الشيك على بياض الذي كان أمامي ومن يومها استمر زعل الموسيقار حتى وفاته. وهذا أكثر ما يحز في قلبي وسأبقى نادمة عليه”

من الفرص الضائعة لوداد أيضًا أنّ بليغ حمدي قدم لها عدة ألحان منها “من بين ألوف”، في وقت كانت ظروفها الماديه لا تسمح لها بإتمام العقد فكانت الأغنيات من نصيب وردة الجزائرية؛ “بدك تقهرني طيب، غيبلك شي غيبة وجرب.. لما بترجع يا حبيّب شو بدك تندم”.

إنها أشهر أغنيات وداد ووراء الأغنية قصّة إذ ذهب سامي الصيداوي ذات مساء لزيارة صديقه توفيق الباشا زوج وداد و بعدما تناولا القهوة عرض عليه سامي أن يذهبا إلى المقهى لتمضية الوقت مع الأصحاب فطلبت وداد من زوجها عدم الذهاب وتركها وحيدة في المنزل فلم يلبِ طلبها فقالت له: “بتندم إذا رحت فضحك وبقي مصممًا على المغادرة فكررت قولها: “وحياة عيوني بتندم”. هنا لمعت الفكرة في رأس سامي ووجد الكلمات مناسبة لأغنية طريفة وهو المشهور بمونولوجاته النقدية فصاغ على كلمات هذا الحوار الزوجي القصير الأغنية الأشهر لوداد.

سُئلت المطربة اللبنانية عن سبب توقّفها عن الغناء في آخر إطلالاتها فأجابت: “لأن الناس ما بقى يحبّوا الطَرب، صاروا يحبوا الضَرَب”. توفيت وداد، عن سن يناهز 78 سنة بعد معاناة مع المرض، لتتوقف رحلة فنية امتدت لنصف قرن.

http://www.qadita.net/featured/widad/

vargas5

“ينعتونني جميعاً بالمرأة الباكية المتشّحة بالسواد

باكية لكنني محبّة…

أنا أشبه بالفلفل الأخضر

حادّة لكنني طيّبة المذاق…

خذيني إلى النهر أيتها المرأة الباكية

وغطّيني بشالكِ

لأنني أموت من الصقيع…”

تتناول الأغنية أسطورة شعبية في أميركا الجنوبية، عن امرأة تطارد وديان المكسيك باكية على أولادها الذين أغرقتهم في النهر في نوبة جنون بسبب رجل كانت تحبّه وقطع علاقته بها لأنه لا يرغب في عائلة، يهجرها الرجل نهائيًا بعد علمه بما فعلته، فتقتل نفسها.

بصوتها الأجشّ وتجاعيد وجهها العجوز، بعينيها الصغيرتين وشعرها الأبيض القصير، تنقل فارغاس الأسطورة بكل ما تحمله من أسى في أغنية “المرأة الباكية”. تجعلك تعابير وجهها الحزينة تحسب أنها تلك المرأة التي ضحّت بأعزّ ما تملك من أجل الحبّ. تهزّ رأسها، تومئ بيديها، يرتجف صوتها، تتوقف عن الغناء عند المقطع الموسيقي وتخفض رأسها ثم ترفعه دامعة العينين وتستأنف الغناء..

“إن كنتِ أحبّكِ أيتها المرأة الباكية

فإنّكِ تريدينني أن أحبّكِ أكثر…

إن كنت أعطيتكِ الحياة أيتها المرأة الباكية

فماذا تريدين غير ذلك؟

أتريدين المزيد؟”

 

تخفض رأسها مجددًا، تغمض عينيها، تصغي إلى الموسيقى ثم ترفع رأسها مجددًا وتصدح بالغناء، ترتفع حدّة صوتها مع حدّة كلمات الأغنية، تصرخ وتفتح يديها فيهبّ الجمهور مصفقًا فتنحني له..

*****

إنها الأيقونة اللاتينية شافيلا فارغاس صاحبة الصوت الرخيم الذي أعاد تعريف مفاهيم جمال الصوت والسلوك الناري المثير للمشاكل التي اتّخذت من المكسيك وطنًا لها وبدأت الغناء على الشوارع في سنين مراهقتها.

وُلدت شافيلا فارغاس في كوستاريكا عام 1919 ولجأت إلى المكسيك في سنّ الرابعة عشر حيث كانت صناعة الترفيه مزدهرة، غنّت في الشوارع لعدّة سنوات حتى أضحت مغنية محترفة في سنّ الثلاثين، ارتدت ملابس الرجال في صباها ودخّنت السيجار وأدمنت على شرب الكحول وحملت مسدسًا.

أصدرت ألبومها الأول “الليلة البوهيمية” عام 1961 ليليه 8 ألبومات أخرى عبر السنوات. لاقت نجاحًا منقطع النظير في الخمسينيات والستينيات حتى منتصف السبعينيات وجالت في بلدان عديدة من المكسيك إلى الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وكانت تربطها صلة وثيقة بالعديد من الفنانين والمثقفين البارزين في تلك الحقبة أهمهم الرسامة فريدا كالو. اعتزلت الغناء جزئيًا في أواخر السبعينيات بسبب معركتها الطويلة مع الإدمان على الكحول، تلك المرحلة التي وصفتها في مذكراتها بسني الجحيم الـ 15. صرّحت عن مثليتها في سنّ الـ 81، عادت فارغاس إلى المسرح عام 1991 وأصدرت ألبومها الأخير “القمر كبير” عام 2012 تكريمًا للشاعر الإسباني فريديريكو غارسيا لوركا.

 تخصصت فارغاس في غناء “الرانشيرا المكسيكية” وهو نوع من الموسيقى التقليدية المكسيكية يعود إلى ما قبل سنوات الثورة المكسيكية  كان يهيمن عليه المغنون الذكور لوقت طويل حتى اتخذته فارغاس نوعًا خاصًا بها فجردت الموسيقى من البوق والترتيبات الأخرى وجمعت بين القيثارات فرفعت أغنيتها الموسيقى إلى مستوى مختلف تمامًا.

****

“سئمت البكاء دون أمل

لا أعرف سواء يجب أن ألعنكِ أم أصلي لكِ

أخشى أن أبحث عنكِ وأجدكِ

حيث أشار إليّ أصدقائي أنكِ ذهبتِ

تمرّ أوقات أتمنى فيها التوقف عن الكفاح

وأحرّر نفسي من البراثن التي تتسبب بألمي

لكنّ عينَيي ستنطفئان دون رؤية عينيكِ

وسيعود حبي لانتظاركِ عند الفجر

أما أنتِ فقررتِ وحدكِ الذهاب لإيجاد فتاة عابثة

أين أنتِ أيتها الحمامة السوداء؟

لا تتلاعبي بكبريائي أيتها الفتاة العابثة

يجب أن تكون عاطفتكِ لي وليس لغيري

ولا تعودي رغم حبّي الجنوني لكِ

أنتِ قضبان قفص العذاب هذا أيتها الحمامة السوداء

أريد العيش بحرية مع فتاة أختارها

ليعطني الربّ القوّة لأنني أتوق لإيجادها”

 

*****

كانت هذه الأغنية إشارة إلى مثلية فارغاس التي لم تفصح عنها حتى بلغت 81 سنة، عشقت النساء وكثرت علاقاتها ولم تنكر أنها تعرج قليلًا بسبب إلقاء نفسها من النافذة نتيجة لخيبة أمل تعرّضت لها بسبب امرأة، حيث كانت فارغاس شديدة الرومانسية في صباها بقدر الأغاني الرومنسية التي كانت تؤديها. ربطتها علاقة شهيرة بالرسامة فريدا كالو التي قالت إنها عندما رأت عينيها بدتا لها من عالم آخر وشعرت أنها يمكن أن تكنّ لها أطهر حبّ في العالم.

 قالت في مقابلة صحفية: “كان يجب أن أكافح ليتمّ احترامي، أنا فخورة بحمل هذه الوصمة ووصف نفسي بالمثلية، لا أتفاخر بها وأنشرها لكنني لا أنكرها، كان عليّ مواجهة المجتمع والكنيسة الذين يدينان المثلية وهذا أمر سخيف، كيف يمكنهم الحكم على شخص وُلد كذلك؟ لم أحضر صفوفاً عن المثلية ولم يعلّمني أحد أن أكون كذلك، لقد وُلدتُ مثلية من اللحظة التي فتحتُ فيها عينَي على هذا العالم، لم أمارس الجنس مع رجل إطلاقاً، لهذه الدرجة أنا نقية، لا شيء يدعوني إلى الخجل، لقد خلقني الربّ كذلك“.

في الخامس من آب عام 2002، أغمضت شافيلا فارغاس عينيها للمرّة الأخيرة في المستشفى لترحل عن هذا العالم في سنّ الـ 93 بسبب مشاكل في القلب والجهاز التنفّسي، وفي اليوم التالي قامت ملكة البوهيميين بزيارة أخيرة إلى ساحة غاريبالدي، حيث ودّعها جيش من محبّيها. كانت آخر كلماتها: “أرحل والمكسيك في قلبي“.

http://www.qadita.net/featured/chavela-vargas/