Archive for November, 2014

in_the_mood_for_love11

لا يمكن ذكر المخرج وونغ كار واي دون التكلم عن تحفته السينمائية “في مزاج للحب”، الجزء الثاني من ثلاثية المخرج. يتناول الفيلم الذي التي ترتكز أحداثه في هونغ كونغ عام 1962 قصة الصحفي شوموان الذي يستأجر غرفة في أحد المباني في اليوم نفسه مع سو لي زين وفي الغرفة الملاصقة لغرفتها. كل منهما متزوج بشريك يأخذ العمل كل وقته ويتركه وحده، تتطور العلاقة بينهما وتقترح سو على شوموان مساعدته في كتاباته الصحفية حتى يلاحظ الجيران تقاربهما فيستأجر الرجل غرفة فندق بعيداً عن شقتيهما للالتقاء والعمل دون لفت الأنظار. ينشأ بين الثنائي حباً عذرياً يصل بهما إلى مفترق طرق حين يعلن شوموان لسو أنه سيغادر للعمل في سنغافورة ويطلب منها مرافقته لتتطور أحداث الفيلم إلى نهاية مشهدية فنية على إيقاع موسيقى الياباني شيغيرو أوميباياشي.

يتميز الفيلم بجوّه الحميمي وألوانه النارية حيث تؤطّر الكاميرا جميع التفاصيل في المشهد من دخان السجائر إلى قطرات المطر ومن البخار المنبعث من النودلز إلى شبكة المروحة المعدنية الصغيرة، مصوّرة الإثارة التي تظهر في أصغر تفاصيل الفيلم، من صوت الكعب العالي إلى تساقط قطرات المطر على وجه البطلين إلى نظرات أحدهما إلى الآخر التي تظهر الشغف والتوق إلى علاقة كاملة، والتشابه بين ألوان وتصميم فساتين سو والستائر في الغرف التي تدخلها، تفاصيل قد تحتاج إلى مشاهدة الفيلم أكثر من مرّة للتنّبه إليها.

يقدّم الفيلم جمالية المشاهد والتصوير والألوان النارية في إطار قصة حبّ في المكان والزمان غير المناسبَين بين شخصين يعرف كلاهما أنّ شريكه يخونه ويرفض الانحدار إلى مستوى الخيانة الجنسية والقيام بالأمر نفسه فتنشأ بينهما علاقة ملؤهها مشاعر جياشة.

أبدع المخرج بمساعدة مصوّره في معظم أفلامه كريستوفر دويل في طريقة تحريكه للكاميرا حيث كل مشهد مليء بالجمالية والغموض حيث يدخل إطار كاميرته في تفاصيل تهدد بالاستحواذ على المشاهد إذ تتطلب انتباهاً كبيراً لأنها عنصر في سرد القصة، كذلك يعكس التصوير حالة الثنائي العاطفية المكبوتة والمشاعر المدفونة من خلال تحرك الكاميرا ببطء من جانب إلى آخر لتعطي انطباعاً بأنها تطارد الشخصيتين وتختلس النظر إليهما من وراء أكشاك المطاعم والممرات الضيقة والمظلمة وعبر المرايا والقضبان ليشكل كل مشهد نوعاً من التداخل.

أكثر ما يميّز الفيلم ويعطي زخماً لمزاج الحبّ فيه هو الموسيقى التي أبدع في تأليفها الياباني شيغيرو أوميباياشي ليمزجها المخرج مع أغاني نات كينغ كول التي تعكس أجواء الستينيات الرومانسية.

برزت الممثلة ماغي تشونغ في أداء شخصية المرأة الأنيقة في ملبسها ومشيتها وتصرفاتها والمرأة الرومنسية التي تحاول مقاومة مشاعر الحبّ لديها وتعيش تخبطاُ كبيراً، وقد نالت تشونغ جائزة أفضل ممثلة في مهرجان هونغ كونغ السينمائي، أما شخصية الرجل الذي تُغرم به فقد لعبها بموهبة كبيرة الممثل توني لونغ وقد فاز عن أدائه بجاهزة فئة أفضل ممثل في مهرجانَي كان وهونغ كونغ السينمائيَين.

ترشّح الفيلم لجائزة السُعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي كما فاز بجائزة أفضل فيلم أجنبي في مهرجان سيزار الفرنسي ومهرجان السينما الألمانية ومهرجان نيويورك والبافتا بالإضافة إلى عدّة جوائز عالمية.

مزاج للحبّ لن تخرج منه طوال مدّة مشاهدة الفيلم مستمتعاً بجميع العناصر التي تصنع هذا المزاج، من تصوير وإخراج وإضاءة وموسيقى وتمثيل…

الفيلم: In the mood for love

إنتاج: هونغ كونغ، 2000

إخراج: ووتغ كار واي

كتابة: ووتغ كار واي           

تمثيل: توني لونغ – ماغي شونغ

تصوير: كريستوفر دويل – مارك لي بينغ بين

موسيقى: شيغيرو أوميباياشيمايكل غالاسو

المدة: 98 دقيقة

unnamed

تشكل ثلاثية وونغ كار واي تحفة فنية سينمائية ساحرة، تبدأ الثلاثية بفيلم “أيام الجموح” (يليه فيلما “في مزاج للحبّ” و”2048″) والذي تتركز أحداثه بين هونغ كونغ والفيليبين عام 1960. الفيلم غني بشخصيات غارقة في الوجودية المدمّرة والتصوير السينمائي المتقن والإيقاع البطيء والمرهق لعين المشاهد أحياناً والجوّ الخانق لعمل فني بامتياز.

تتنقل أحداث الفيلم بين يورك، زير النساء الذي يفتن الفتيات ثم يفطر قلوبهنَ والذي يبحث عن والدته البيولوجية، ولي زين ضحيته الأولى التي تعاني اكتئاباً ذهنياً وعاطفياً نتيجة لعلاقتها به فتجد العزاء لدى تايد الشرطي المتعاطف، وضحيته الثانية راقصة الكاباريه الجامحة ميمي التي يغرم بها زيب، صديق يورك المفضل سراً والتي تدخل مرحلة تدمير ذاتي بسبب شغفها في يورك الذي يقابلها بعدم قدرته على الالتزام بعلاقة عاطفية ولا مبالاة مستمدة من مشاعر متضاربة بسبب والدته بالتبني المومس السابقة، ووالدته البيولوجية الأرستوقراطية الفيليبينية التي تتخلى عنه وترفض مقابلته.

تتوالى أحداث الفيلم الذي لا يعتمد على الحبكة الروائية، بل على المقدرة الفردية للممثلين لسرد القصة من خلال حياتهم اليومية العادية ليصور ردّ فعل الشخصيات حيال النبذ العاطفي بغموض مواضيعي وجمالية سينمائية.

يصور الفيلم دائرة جنون من المشاعر الإنسانية حيث تنقل الشخصيات من مشاعر الحسرة إلى الشكّ الذاتي وحتى بداية الوهم في ظلّ جوّ محبط بقدر ما هو حقيقي، وهذه قاعدة أساسية في الأفلام الفنية.

يبتعد الفيلم كما هو الحال في معظم أفلام المخرج عن السرد ليركّز على التفاصيل: الجوّ العام والمشاعر العابرة ونفاسة الذاكرة وعلى تفاصيل صغيرة مدهشة، كالطريقة التي تترك بها لي زين شعرها ينسدل أمام وجهها، أو الدقّة المتناهية التي يمشّط بها يورك شعره، أو الطريقة التي يخفي بها تايد وجهه بقبعة الشرطي وذلك عبر التصوير السينمائي الفنيّ الملموس الذي يصيغه المخرج مع المصور السينمائي كريستوفر دويل والذي يخلق انقساماً أو حميمية من خلال تباعد دقيق.

يشكل الصمت والشوارع الفارغة سمة أساسية في الفيلم حيث يسود صمت غريب في خلفية مشاهد الفيلم، تخرقه أحياناً تكتكة ساعة حائط أو تساقط قطرات مطر أو صوت مدّ وجميعها أصوات تشكل علامات على مضي الوقت والفرص الضائعة كما يشكل الفيلم ما يشبه مقدمة للفيلمين اللاحقين حيث يقدم الموضوع والشخصيات التي ستتطور في الفيلمين اللاحقين.

يشكّل الممثلون المادة الرئيسية للفيلم الذي يرتكز على شخصياتهم وأدائهم حيث أبدعت الممثلة كارينا لو في دور الراقصة الجامحة والفتاة العاطفية والهشّة في آن والتي يبدو من خلال مظهرها وحركات جسدها أنها تعرضت لخيبات كثيرة في حياتها العاطفية. أما الممثلة ماغي شونغ الفائزة بجوائز أفضل ممثلة في مهرجانات برلين وكان وشيكاغو وهونغ كونغ فقد تميزت بأداء شخصية الفتاة البسيطة والمنهكة والوحيدة التي تتغير رتابة حياتها بسبب شاب وسيم يوليها اهتماماً مفاجئاً ثم ينبذها فتحمل يأسها وألم الإقصاء الذي لا مفر منه على كاهلها في معظم أحداث الفيلم. ويبدو الممثل ليسلي شونغ مناسباً لدور شخصية يورك المأساوية في أنانيتها وضياعها، وكان ليسلي شونغ أحد أيقونات الموسيقى والتمثيل ليس في الصين وحدها بل في معظم أنحاء القارة الآسيوية، وكما كانت نهاية الشخصية التي يجسّدها شونغ في الفيلم مأساوية، كذلك أنهى الرجل حياته بطريقة مأساوية عام 2003 عبر القفز من الطابق الرابع والعشرين لأحد الفنادق بعد معاناة مع الاكتئاب، ليشكّل رحيله صدمة للملايين في القارة الآسيوية بعد حياة حافلة فاز فيها بأهم الجوائز العالمية في الغناء والتمثيل (لي مقال سابق في الموقع عن فيلمه “وداعاً يا خليلتي” وهو واحد من أفضل أفلامه وأشهر الأفلام الصينية).

الفيلم من إخراج الصيني وونغ كار واي المعروف بأعماله الرنانة عاطفياً والفريدة بصرياً والمنمقة أسلوباً وهو أول مخرج صيني يفوز بجائزة أفضل مخرج في مهرجان كان عام 1997 عن فيلم “سعيدان معاً” كما كان أول صيني يترأس لجنة التحكيم في المهرجان عام 2006.

فاز الفيلم بعدة جوائز عالمية من بينها جوائز أفضل فيلم وأفضل إخراج في مهرجانَي هونغ كونغ والحصان الذهبي السينمائيَين كما احتل المركزين الثالث والرابع في تصنيف المهرجانين لأفضل مئة فيلم صيني.

الفيلم: Days of being wild

إنتاج: هونغ كونغ

إخراج: ووتغ كار واي

كتابة: ووتغ كار واي                      

تمثيل: ليسلي شونغ – ماغي شونغ – كارينا لو

المدة: 94 دقيقة