أصدقائي الفلسطينيون

Posted: July 22, 2014 in Articles

Starry Night Painting by Alex Ruiz

من على شرفتي في بيروت أتابع أخبار غزّة كل ليلة، غزّة تحت النار.. يتآمر الجميع عليها… أشعر بالخجل.. أحاول اختيار  فيلم لأشاهده وأكتب عنه مقالي السينمائي الأسبوعي.. ثم أتوقف.. أتردد… أشعر بالخجل.. هل أزيّن الموقع بصورة فيلم يتكلم عن التأمل والسكون والطمأنينة بينما أهل غزّة لا يذوقون طعم الطمأنينة؟ أقول لنفسي، لا بأس.. سأختار فيلماً يتناول موضوع المقاومة.. نصحني صديقي محمد من غزّة بفيلم “أغنيتنا” الذي يتناول القضية الفلسطينية والذي شارك فيه محمود درويش.. أبحث عن الفيلم لتحميله ولا أجده.. الفيلم فرنسي والفرنسيون بخلاء، لا يسمحون بمشاهدة أفلامهم مجاناً على الإنترنت.. لا بأس.. سأسأل محمد غداً من أين أحمّله..

محمد رفيقي في السهر.. لا ينام حتى يرى صباح غزّة.. ندردش منذ أكثر من سنة كل ليلة تقريباً.. محمد شاب مثقف وخلوق.. يدرس الإعلام في إحدى جامعات غزّة.. ندردش حتى بزوغ الفجر عن الأفلام والموسيقى.. ينصحني بتحميل ألبوم هذه الفرقة وأغاني تلك المغنية الفلسطينية والموشحات والأغاني الفلكلورية الفلسطينية والأغاني الصوفية.. محمد لا يرضى بتحميل الألبومات المنخفضة الجودة.. صدر ألبوم جديد شربل روحانا الجديد.. يسارع محمد إلى إرسال رابط التحميل إليّ ثم ما يلبث أن يسألني عن رأيي فيه.. نتناقش.. في الليلة التالية يرسل إليّ الألبوم نفسه بجودة عالية.. هل شاهدت فيلم عمر؟ يرسل إليّ رابط الفيلم.. الفيلم يتعدى الواحد جيغا يا محمد والإنترنت بطيء في بيروت.. يعلمني كيف أحمّل الفيلم على أجزاء.. يرسل إليّ برنامجاً لتسريع التحميل.. تمرّ ساعات الليل وأنا أعمل ومحمد يحدثني.. أستمع إلى أغنية زمان يا حبّ لفريد الأطرش.. أعشق هذه الأغنية لفريد الأطرش.. استعمتُ إلى نسخة مطوّلة منها من حفل مباشر على إذاعة الشرق وأنا أقود السيارة في جنوب لبنان.. سارعتُ إلى تحميلها وكتبت لمحمد.. صودف أنّه كان يستمع إليها.. “كل ما إطلع عالجنوب يا محمد بقول لحالي شو صرت قريب من فلسطين.. شو حلوة لو بسوق السيارة على غزّة بسهر عندك عالبحر”.. يبتسم محمد..

أحبّ الليل، لا أذكر آخر مرّة نمت فيها قبل بزوغ الفجر.. ومحمد رفيقي في السهر.. “الوضع خطير، يقولون إنّ الصهاينة سيشنّون حرباً قريبة على غزّة”.. لا تقلق يا محمد.. الله كريم.. تبدأ الحرب.. أخاف على محمد.. أطمأن عليه كل ليلة.. ماذا أقول له؟ الله كريم.. كتب رأفت مقالاً عن صديقه عمر في غزّة.. تذكرتُ محمد.. رأفت يخجل من صديقه عمر ولا يعرف ماذا يقول له.. تعرّفت إلى رأفت منذ أشهر من خلال مقالاته في الموقع.. عندما بدأت أكتب في الموقع قال لي صديقي بعنصرية اللبنانيين المعتادة: “ما لقيت إلا وبسايت فلسطيني تكتب فيه؟” تجادلنا طويلاً… الحاصلو.. أضفت رأفت على الفايسبوك.. لا أحبّ إضافة الأشخاص من أجل الإضافة فقط.. أرسلتُ إليه..

رأفت شاب جامعي من حيفا.. ناشط من حيفا.. يشارك في مظاهرات التنديد بالاحتلال.. وفي الحركات الاحتجاجية على تجنيد الفلسطينيين المسيحيين في الجيش الصهيوني.. رأفت مثابر على مناصرة حقوق الشعب الفلسطيني.. كسروا نظارته مرتين في المظاهرات.. “بدي حقّ نظارتي من الدولة الشرموط اللي كسرها حافظ شكله”، يقول رأفت.. حاولوا اعتقاله لكنه نفذ من بين أيديهم.. صوّروه يهتف ضدّ الاحتلال.. ينتظر على نافذته كل ليلة أن يأتي الجيش الإسرائيلي ويعتقله… رأفت يكتب مقالات جميلة.. أحرص على فتح صفحة رأفت على الفايسبوك بين الفينة والأخرى.. أليّك، أعلّق، أبتسم.. رأفت شاب شغوف ومرهف.. رأفت يحبّ ويكتب عن الحبّ.. يستمع إلى أم كلثوم ويكتب عن الحبّ… يتظاهر ضدّ الاحتلال ويكتب عن الحبّ.. يشاهد مسلسل “قلم حمرة” ويكتب عن الحبّ.. يلعن صمته وتردده ويكتب عن الحبّ.. يخبرني رأفت عن حياة الظلم التي يعيشها فلسطينيو الـ 48.. كيف يقف جندي الاحتلال وراءك في الجامعة ويدوس على قدمك ثم يعتذر بسخرية وتهكّم.. أعرف.. أقول له.. أخبرني أمير الكثير..

أمير طبيب فلسطيني يعيش في “تل أبيب”.. تعرفتُ إليه منذ سنوات على الفايسبوك.. أمير يحبّ نجاة الصغيرة مثلي.. لديه قناة تضم آلاف أغنيات الطرب على اليوتيوب.. يتمتع أمير بذوق مرهف في الموسيقى.. كلما استمتعتُ إلى أغنية جميلة أسارع إلى صفحة أمير وأشاركه إياها..  نتناقش أنا وأمير في أمور الحياة… يخبرني عن أحواله وأخبره عن أحوالي.. أمير شاب طيّب يحبّ مهنته ويحبّ معالجة الفقراء.. حصل على فرصة للعمل في كندا وتردد كثيراً… أرسل إلي طالباً نصيحتي.. أمير يحبّ أهله وعائلته ومهنته.. تردد كثيراً ثم عاد وسافر.. سأعود بعد سنة، يقول لي أمير.. لا أحتمل برودة الطقس والناس والحياة هنا.. أشتاق إلى بلدي وأهلي وعائلتي.. سأعود لأعالج الفقراء..

يتجدد القصف على غزّة.. أتصفح صفحتي على الفايسبوك.. أرى صورة لشاب يقولون إنه استشهد للتو.. الصورة غير واضحة.. تشوّه وجه الشاب جراء الشظايا التي أصابته.. أقرأ اسم الشاب.. إسم عائلته هو نفسه اسم عائلة محمد.. تنهمر دموعي وحدها.. أصاب بالهلع.. أكتب لمحمد…. محمد… ردّ عليي.. إنت منيح… لا يردّ… أسارع إلى فتح صفحته.. إن كان محمد هو الشاب الذي استشهد فستنهمر التبريكات بالشهادة على صفحته.. لا شيء يوحي بذلك… أعود إلى صفحة الدردشة.. يقول الفايسبوك إنّ محمد يكتب.. يثلج الفايسبوك قلبي قبل أن تثلجه كلماته المطمئنة.. أنا بخير، يكتب محمد.. هذا ابن عمّي.. كتب الله له الشهادة.. أفرح وأحزن ولا أعرف ماذا أقول له.. أخجل منه كما يخجل رأفت من عمر.. ماذا عساي أن أقول له؟ ماذا عساي أن أفعل لغزّة؟ الجميع يندد على الفايسبوك.. غضبي أكبر من التنديد.. ألعن الصهاينة وألعن مصر وألعن الأنظمة العربية وألعن القدر وألعن العدالة الإلهية وأشتم.. لا تشتم، يقول لي أخ صديقي.. تكون الرسالة أقوى من دون شتيمة.. لا أستطيع.. أشتمهم جميعاً.. يستحقون الشتيمة..

طلب مني رأفت إضافة صديقته على الفايسبوك وخلد إلى النوم.. أخبرني محمد مزهواً عن الخسائر الكبيرة التي مني بها العدو ولم يفصح عن عددها الحقيقي وخلد إلى النوم.. لم أكلم أمير منذ مدّة.. لا بأس.. سأهديه أغنية “في السفر” لنجاة الصغيرة على صفحته.. لا بدّ أنه في المستشفى فالوقت وقت عمل الآن في كندا..

سأرسل ما كتبته إلى رشا… لا أعلم إن كان ما كتبته قابلاً للنشر.. أفكار غير منظمة ومعلومات قد لا تهمّ أحد لكن لا بأس.. لتقرر هي..أي صورة أرفق مع ما كتبته؟ أحتار دائماً.. لن أختار صور المجازر.. أتجنب نشرها على الفايسبوك.. ربّما أزيّن الموقع بصورة عن الليل والسهر والأمل..

آه.. تذكرت.. قال لي أصدقائي الثلاثة في مناسبات مختلفة وكل على حدا.. “سنلتقي يوماً ما، أنا متأكد”.. وأنا أيضاً متأكّد… سنلتقي… سنلتقي…

عن موقع قاديتا

http://www.qadita.net/featured/wael-5/

Advertisements
Comments
  1. khaledshehab says:

    كلامك رجع ذكريات اليمة يا وائل 😦

    • حبيبي خالد، للأسف قدرنا الماضي والحاضر الأليم والمرير، انشالله إيامك وحياتك الشخصية تكون بعكس الواقع السياسي لوطنا العربي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s