Archive for July, 2014

Starry Night Painting by Alex Ruiz

من على شرفتي في بيروت أتابع أخبار غزّة كل ليلة، غزّة تحت النار.. يتآمر الجميع عليها… أشعر بالخجل.. أحاول اختيار  فيلم لأشاهده وأكتب عنه مقالي السينمائي الأسبوعي.. ثم أتوقف.. أتردد… أشعر بالخجل.. هل أزيّن الموقع بصورة فيلم يتكلم عن التأمل والسكون والطمأنينة بينما أهل غزّة لا يذوقون طعم الطمأنينة؟ أقول لنفسي، لا بأس.. سأختار فيلماً يتناول موضوع المقاومة.. نصحني صديقي محمد من غزّة بفيلم “أغنيتنا” الذي يتناول القضية الفلسطينية والذي شارك فيه محمود درويش.. أبحث عن الفيلم لتحميله ولا أجده.. الفيلم فرنسي والفرنسيون بخلاء، لا يسمحون بمشاهدة أفلامهم مجاناً على الإنترنت.. لا بأس.. سأسأل محمد غداً من أين أحمّله..

محمد رفيقي في السهر.. لا ينام حتى يرى صباح غزّة.. ندردش منذ أكثر من سنة كل ليلة تقريباً.. محمد شاب مثقف وخلوق.. يدرس الإعلام في إحدى جامعات غزّة.. ندردش حتى بزوغ الفجر عن الأفلام والموسيقى.. ينصحني بتحميل ألبوم هذه الفرقة وأغاني تلك المغنية الفلسطينية والموشحات والأغاني الفلكلورية الفلسطينية والأغاني الصوفية.. محمد لا يرضى بتحميل الألبومات المنخفضة الجودة.. صدر ألبوم جديد شربل روحانا الجديد.. يسارع محمد إلى إرسال رابط التحميل إليّ ثم ما يلبث أن يسألني عن رأيي فيه.. نتناقش.. في الليلة التالية يرسل إليّ الألبوم نفسه بجودة عالية.. هل شاهدت فيلم عمر؟ يرسل إليّ رابط الفيلم.. الفيلم يتعدى الواحد جيغا يا محمد والإنترنت بطيء في بيروت.. يعلمني كيف أحمّل الفيلم على أجزاء.. يرسل إليّ برنامجاً لتسريع التحميل.. تمرّ ساعات الليل وأنا أعمل ومحمد يحدثني.. أستمع إلى أغنية زمان يا حبّ لفريد الأطرش.. أعشق هذه الأغنية لفريد الأطرش.. استعمتُ إلى نسخة مطوّلة منها من حفل مباشر على إذاعة الشرق وأنا أقود السيارة في جنوب لبنان.. سارعتُ إلى تحميلها وكتبت لمحمد.. صودف أنّه كان يستمع إليها.. “كل ما إطلع عالجنوب يا محمد بقول لحالي شو صرت قريب من فلسطين.. شو حلوة لو بسوق السيارة على غزّة بسهر عندك عالبحر”.. يبتسم محمد..

أحبّ الليل، لا أذكر آخر مرّة نمت فيها قبل بزوغ الفجر.. ومحمد رفيقي في السهر.. “الوضع خطير، يقولون إنّ الصهاينة سيشنّون حرباً قريبة على غزّة”.. لا تقلق يا محمد.. الله كريم.. تبدأ الحرب.. أخاف على محمد.. أطمأن عليه كل ليلة.. ماذا أقول له؟ الله كريم.. كتب رأفت مقالاً عن صديقه عمر في غزّة.. تذكرتُ محمد.. رأفت يخجل من صديقه عمر ولا يعرف ماذا يقول له.. تعرّفت إلى رأفت منذ أشهر من خلال مقالاته في الموقع.. عندما بدأت أكتب في الموقع قال لي صديقي بعنصرية اللبنانيين المعتادة: “ما لقيت إلا وبسايت فلسطيني تكتب فيه؟” تجادلنا طويلاً… الحاصلو.. أضفت رأفت على الفايسبوك.. لا أحبّ إضافة الأشخاص من أجل الإضافة فقط.. أرسلتُ إليه..

رأفت شاب جامعي من حيفا.. ناشط من حيفا.. يشارك في مظاهرات التنديد بالاحتلال.. وفي الحركات الاحتجاجية على تجنيد الفلسطينيين المسيحيين في الجيش الصهيوني.. رأفت مثابر على مناصرة حقوق الشعب الفلسطيني.. كسروا نظارته مرتين في المظاهرات.. “بدي حقّ نظارتي من الدولة الشرموط اللي كسرها حافظ شكله”، يقول رأفت.. حاولوا اعتقاله لكنه نفذ من بين أيديهم.. صوّروه يهتف ضدّ الاحتلال.. ينتظر على نافذته كل ليلة أن يأتي الجيش الإسرائيلي ويعتقله… رأفت يكتب مقالات جميلة.. أحرص على فتح صفحة رأفت على الفايسبوك بين الفينة والأخرى.. أليّك، أعلّق، أبتسم.. رأفت شاب شغوف ومرهف.. رأفت يحبّ ويكتب عن الحبّ.. يستمع إلى أم كلثوم ويكتب عن الحبّ… يتظاهر ضدّ الاحتلال ويكتب عن الحبّ.. يشاهد مسلسل “قلم حمرة” ويكتب عن الحبّ.. يلعن صمته وتردده ويكتب عن الحبّ.. يخبرني رأفت عن حياة الظلم التي يعيشها فلسطينيو الـ 48.. كيف يقف جندي الاحتلال وراءك في الجامعة ويدوس على قدمك ثم يعتذر بسخرية وتهكّم.. أعرف.. أقول له.. أخبرني أمير الكثير..

أمير طبيب فلسطيني يعيش في “تل أبيب”.. تعرفتُ إليه منذ سنوات على الفايسبوك.. أمير يحبّ نجاة الصغيرة مثلي.. لديه قناة تضم آلاف أغنيات الطرب على اليوتيوب.. يتمتع أمير بذوق مرهف في الموسيقى.. كلما استمتعتُ إلى أغنية جميلة أسارع إلى صفحة أمير وأشاركه إياها..  نتناقش أنا وأمير في أمور الحياة… يخبرني عن أحواله وأخبره عن أحوالي.. أمير شاب طيّب يحبّ مهنته ويحبّ معالجة الفقراء.. حصل على فرصة للعمل في كندا وتردد كثيراً… أرسل إلي طالباً نصيحتي.. أمير يحبّ أهله وعائلته ومهنته.. تردد كثيراً ثم عاد وسافر.. سأعود بعد سنة، يقول لي أمير.. لا أحتمل برودة الطقس والناس والحياة هنا.. أشتاق إلى بلدي وأهلي وعائلتي.. سأعود لأعالج الفقراء..

يتجدد القصف على غزّة.. أتصفح صفحتي على الفايسبوك.. أرى صورة لشاب يقولون إنه استشهد للتو.. الصورة غير واضحة.. تشوّه وجه الشاب جراء الشظايا التي أصابته.. أقرأ اسم الشاب.. إسم عائلته هو نفسه اسم عائلة محمد.. تنهمر دموعي وحدها.. أصاب بالهلع.. أكتب لمحمد…. محمد… ردّ عليي.. إنت منيح… لا يردّ… أسارع إلى فتح صفحته.. إن كان محمد هو الشاب الذي استشهد فستنهمر التبريكات بالشهادة على صفحته.. لا شيء يوحي بذلك… أعود إلى صفحة الدردشة.. يقول الفايسبوك إنّ محمد يكتب.. يثلج الفايسبوك قلبي قبل أن تثلجه كلماته المطمئنة.. أنا بخير، يكتب محمد.. هذا ابن عمّي.. كتب الله له الشهادة.. أفرح وأحزن ولا أعرف ماذا أقول له.. أخجل منه كما يخجل رأفت من عمر.. ماذا عساي أن أقول له؟ ماذا عساي أن أفعل لغزّة؟ الجميع يندد على الفايسبوك.. غضبي أكبر من التنديد.. ألعن الصهاينة وألعن مصر وألعن الأنظمة العربية وألعن القدر وألعن العدالة الإلهية وأشتم.. لا تشتم، يقول لي أخ صديقي.. تكون الرسالة أقوى من دون شتيمة.. لا أستطيع.. أشتمهم جميعاً.. يستحقون الشتيمة..

طلب مني رأفت إضافة صديقته على الفايسبوك وخلد إلى النوم.. أخبرني محمد مزهواً عن الخسائر الكبيرة التي مني بها العدو ولم يفصح عن عددها الحقيقي وخلد إلى النوم.. لم أكلم أمير منذ مدّة.. لا بأس.. سأهديه أغنية “في السفر” لنجاة الصغيرة على صفحته.. لا بدّ أنه في المستشفى فالوقت وقت عمل الآن في كندا..

سأرسل ما كتبته إلى رشا… لا أعلم إن كان ما كتبته قابلاً للنشر.. أفكار غير منظمة ومعلومات قد لا تهمّ أحد لكن لا بأس.. لتقرر هي..أي صورة أرفق مع ما كتبته؟ أحتار دائماً.. لن أختار صور المجازر.. أتجنب نشرها على الفايسبوك.. ربّما أزيّن الموقع بصورة عن الليل والسهر والأمل..

آه.. تذكرت.. قال لي أصدقائي الثلاثة في مناسبات مختلفة وكل على حدا.. “سنلتقي يوماً ما، أنا متأكد”.. وأنا أيضاً متأكّد… سنلتقي… سنلتقي…

عن موقع قاديتا

http://www.qadita.net/featured/wael-5/

مشهد من الفيلم

مشهد من الفيلم

الربيع..

هو بداية الحياة لعناصر الطبيعة كما هو بداية الحياة للطفل الذي يترعرع في ظلّ معلمه الناسك البوذي مع كلبهما، في هدوء وسكينة معبد يتوسط بحيرة تتوسط أشجاراً وأنهاراً وتلالاً وصخوراً وجبالاً في مشهد ساحر ومبهر.

يقضي الرجل والطفل وقتهما في جمع الأعشاب والصلاة والتأمل في الطبيعة، لكنّ سكون الطبيعة لا يتماهى مع طبيعة الإنسان التي تميل نحو الشرّ،

حتى براءة الأطفال تحمل شراً يبرز لدى الطفل وهو يستمتع بتعذيب الحيوانات، لكنّ المعلم له بالمرصاد، يعطيه دروساً في الحياة ويعرّضه لمواقف مماثلة تجعله يتكبد العذاب نفسه الذي سبّبه للحيوانات فيتّعظ الطفل ويبكي على فعلته، لكن هل ندمه وصلاته وتأملاته ستبعد عنه الشرّ الذي في طبيعة الإنسان؟

الصيف..

يكبر الطفل ويصبح مراهقاً وهو لا يزال يعيش حياة التأمل والتعلم مع الناسك وديكهما، والديك في الديانة البوذية رمز للرغبة والشغف، حتى تأتي أمّ وتترك ابنتها العليلة ليداويها الناسك.

تأخذ الغريزة البشرية مجراها ويبدأ الصراع لدى المراهق بين رغبته وشهوته وعاطفته وبين تعاليمه، فيراقب الفتاة سرّاً ويلمس ثديها وهي نائمة تحت تمثال بوذا لتستيقظ وتصفعه، فينكب على الصلاة وطلب المغفرة مذعوراً. ثم ما يلبث أن يأخذها إلى الغابة، بعيداً عن أعين الناسك ويطارحها الغرام في أحضان الطبيعة، ومجدداً في غرفة سيّده وهو نائم، ليستيقظ ويجدهما عاريَين في صباح اليوم التالي.

لا يوبّخ الناسك تلميذه بل يحذّره من أنّ الشهوة تؤدي إلى الرغبة في التملّك والتملّك يؤدي إلى القتل ويقول له إنّ الفتاة يجب أن تغادر. لا يتحمّل المراهق فراق حبيبته ليلة واحدة، فيحمل تمثال بوذا والديك ويمضي لملاقاتها، في دلالة على التخبّط بين تعاليم سيّده المتمثلة بتمثال بوذا والرغبة الجارفة التي تملكته والمتمثلة في الديك.

الخريف..

يعيش الناسك مع هرّة بيضاء، والهرّة في ثقافة شرق آسيا تتماهى مع المجون، وتعتبر في الثقافة الكورية طاردة للأرواح الشريرة. تصّح توقعات الرجل ويعود إليه تلميذه بعد ارتكابه إثماً سبق وحذّره منه معلمه، يصل الشاب مثقلاً بالغضب والندم والذنب ويمارس طقوس الانتحار أمام تمثال بوذا منتظراً الموت، لكنّ المعلم ينهال عليه بالضرب في مشهد يدلّ على أنّ التخلّص من الذنب لا يأتي بهذه السهولة، بل يجب أن يتكبّد الألم والشقاء ليُغفر له ذنبه.

يأتي شرطيان ليسوقان الرجل إلى العدالة، لكنّ الناسك يعلم أنّ على تلميذه التكفير عن ذنبه في كنف حياة التأمل والعبادة قبل التكفير عنه في الحياة المادية، فينكب على كتابة نصّ ديني أمام المنزل بواسطة ذيل الهرّة ليجعل تلميذه يحفر كلمات النصّ بسكّينه في مشهد جميل واستعارة بصرية تعبّر عن تأثير التعاليم المقدّسة في العالم المادي. ينكبّ التلميذ على حفر الكلمات بسكّينه حتى يغفو من التعب ويأخذه الشرطيان لتفيذ عقوبته القانونية في صباح اليوم التالي.

بعد مغادرة الرجل مع الشرطيين، يعلم الناسك أنّ مهمّته على الأرض قد انتهت فيمارس طقوس الانتحار نفسها التي حاول تلميذه القيام بها ولم ينجح، فيحرق نفسه في قاربه دون أي مقاومة أو ألم، يترافق ذلك مع انبعاث أفعى من البحيرة، تصعد إلى الدار العائم الذي كان يسكنه الرجل، في دلالة على تقمّص روحي يؤمن به البوذيون.

الشتاء..

أصبح التلميذ رجلاً ناضجاً (يلعب دوره المخرج نفسه) وعاد بعد تنفيذ حكمه إلى أحضان الطبيعة التي تعلم منها حكم الحياة ليجد المنزل خالياً إلا من الأفعى، والأفعى رمز للغضب في الثقافة البوذية. ينكبّ الرجل على الحفر في البحيرة المتجمّدة لاستخراج أسنان معلمه، ثم يحفر تمثالاً لبوذا في الجليد تحت شلال متجمد يضع فيه بقايا معلمه وتبدأ رحلة الصلاة وممارسة دروس الفنون القتالية.

تأتي امرأة إلى الدير من دون أن تظهر وجهها وتترك طفلها مع الرجل وتتعثر وتقع في البحيرة عند مغادرتها وتغرق. يبقى الطفل مع الرجل للاهتمام به، لكنه يكمل مهمته في التكفير عن ذنوبه قبل ذلك، فيربط حجراً ثقيلاً مستديراً بجسده، والحجر المستدير في البوذية هو رمز لعجلة الحياة والانبعاث، ويمضي في رحلة طويلة إلى أعالي الجبال ومعه تمثال مايترايا (بوذا المستقبلي) مستذكراً صور الحيوانات الي عذّبها في صغره حتى يصل إلى أعلى قمّة تحيط بالبحيرة بعد طول عناء ويضع التمثال فوقها وينكبّ على الصلاة ثم يغادر تاركاً التمثال على الحجر الدائري يطلّ على البحيرة وكأنه يرعاها.

الربيع مجدداً..

تستمرّ دورة الحياة، أصبح الرجل هو المعلم والطفل الذي تركته والدته التلميذ، ينكب الطفل على تعذيب الحيوانات كما كان يفعل معلمه في صغره، يبدأ بتعذيب السلحفاة التي تسكن معهما، والسلحفاة رمز تقليدي لطول العمر وتكهنات المستقبل، ثم يمضي إلى الطبيعة ليعذب حيوانات أخرى.

يقبع تمثال مايتريا خليفة بوذا التقليدي في أعلى الجبل، في المشهد النهائي، كأنه يراقب أفعال الطفل الشريرة التي كان يمارسها معلمه قبله، في مشهد يدلّ على إمكانية التحرر من العواقب الدورية للتصرفات المؤذية المتعمدة التي يمارسها الإنسان.

ربيع، صيف، خريف، شتاء… فربيع

يشكّل فيلم المخرج الكوري الجنوبي كيم كي دوك تأملاً نورانياً للحكمة البوذية ودورة الحياة البشرية في كنف مشاهد طبيعية برع المخرج في إبراز جماليتها، كذلك يبرز استعمال المخرج للفصول الأربعة كخلفية للتعالم الروحية عن المعاناة والرغبة والخسارة والتعلق والتحوّل.

يوصل الفيلم رسالة روحانية أكثر من كونها دينية من خلال تعاقب فصول الحياة وتكرر دورتها في تحفة فنية سينمائية برع المخرج في شدّ انتباه المشاهد إليها عبر مشاهد لا تخلو من السحر والإبهار، وقد حقق الفيلم نجاحاً عالمياً وحصد إعجاب الجماهير والنقاد ليصبح واحداً من أهمّ أفلام المخرج.

الفيلم: ربيع، صيف، خريف، شتاء… فربيع

Spring, Summer, Fall, Winter… and Spring

إنتاج: كوريا الجنوبية 2003

إخراج: كيم كي دوك

كتابة: كيم كي دوك

تمثيل: أويونغ سو – كيم كي دوك – كيم يونغ مين – هايو جين

المدة: 103 دقائق

مشهد من فيلم المنزل الفار

تعتبر سينما كوريا الجنوبية الأقدم في العالم حيث يرجّح مؤرخو السينما بداياتها إلى عام 1919، لكن جميع الأفلام التي أنتجَت الخمسينيات تعرضَت للتدمير واختفى جزء منها بشكل غريب وذلك بسبب الحروب والاهتزازات السياسية التي تعرضَت لها كوريا الجنوبية منذ أوائل القرن العشرين، من الاحتلال الياباني الذي دام حوالي 35 عاماً إلى الحرب الكورية التي دامت 4 سنوات وصولاً إلى وقوع البلاد في قبضة نظام عسكري ديكتاتوري امتد من عام 1967 حتى عام 1992، ما أثر بشكل كبير على الإنتاج السينمائي وتسبب بتلف معظم الأفلام السينمائية في فترة الحرب.

لم تنهض سينما كوريا الجنوبية حتى الثمانينيات حين شهدت انبعاثاً في الإنتاج والنوعية في ما عُرف بموجة “ربيع سييول” بعد أن كانت البلاد تشتهر بالمانغا أو الرسوم المتحركة الكورية والتي عمد بعض المخرجون لاحقاً إلى اقتباسها في أفلامهم.

يُعتبر شان وود بارك وكيم كي دوك من أهمّ المخرجين وكاتبي السيناريو في سينما كوريا الجنوبية المعاصرة، الأول هو صاحب فيلم (أولد بوي) الشهير وسيكون لي مقال لاحق عن الفيلم والمخرج، لكن سأتناول في مقالين متتاليين تجربة كيم كي دوك في ثلاثة من أهم أفلامه.

تتميز أعمال كيم كي دوك بالإبهار البصري فالرجل لم يدرس الإخراج بل دخل السينما من خلفية الفن التشكيلي ما يجعل أفلامه تتمتع بفلسفة خاصة تميزه عن باقي مخرجي جيله.

درس كيم كي دوك الفن في باريس ثم عاد إلى كوريا ليبدأ مسيرته السينمائية ككاتب سيناريو. جاءت تجربته الإخراجية الأولى في فيلم “التمساح” عام 1996 وتوالت أفلامه ليفوز بجائزة الدب الفضي في مهرجان برلين السينمائي عام 2004 عن فيلم “الفتاة السومرية” وبجائزة أفضل فيلم عن الوثائقي “أريرانغ” في فئة “نظرة ما” في “مهرجان كان عام 2011 وبجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي عن فيلم “بييتا” عام 2012.

أتناول في هذا المقال فيلم “المنزل الفارغ” الذي أخرجه كي دوك عام 2004 الذي يروي قصّة تايسوك الشاب المنعزل الذي يقود دراجته النارية ويضع منشورات قوائم الطعام على أبواب المنازل ليعود ويقتحم الشقق التي لم تتمّ إزالة قوائم الطعام عن أبوابها ويعيش فيها ليلة واحدة في غياب أصحابها، يغسل ملابسهم ويصلح أجهزتهم المعطلة ويلتقط صور لنفسه مع صورهم المعلقة على الحائط ويشغّل أسطوانة عليها أغنية واحدة يستمع إليها في كل شقة يدخلها وهي أغنية الفنانة ناتاشا أطلس “قفصة” التي تتناسب موسيقاها الجميلة مع أجواء الفيلم.

لكنّه يجهل أنّ صان هوا، ربّة المنزل التي تتعرض للعنف الجسدي والعاطفي من قبل زوجها الثري، تراقبه حين يقتحم منزلها الكبير. يترك تايسوك المنزل عندما يكتشف وجود المرأة فيه، لكنه يعود حين يرى زوجها يتعرض لها بالعنف الجسدي بعد عودته إلى المنزل، ويبدأ بضرب كرات الغولف من فناء منزل الرجل ليصيبه بها ويغادر على دراجته النارية مع الزوجة.

يبدأ الثنائي علاقة صامتة وينتقل من شقة إلى أخرى، يُضبطا في إحدى الشقق نائمين في سرير زوجين بعد أن ارتديا ثياب النوم الخاصة بهما، ويقعان في مشكلة عندما يجدان جثّة هامدة في منزل رجل مسنّ ليشرعان في تكفينه ودفنه بصورة لائقة. لكنّ سوء حظهما يوقعهما في قبضة القوى الأمنية التي تتهمهما بقتل الرجل وتستجوبهما، فيلتزمان الصمت المطبق الذي سيطر بينهما طوال فترة الفيلم. يكشف التحقيق أنّهما لم يسرقا أي مقتنيات من المنازل التي اقتحماها وأنّ الرجل الذي دفناه توفي جراء نوبة ناتجة عن سرطان الرئة فيأتي زوج المرأة ويأخذها إلى المنزل ويودع تايسوك السجن بعد تعرضه لرجال التحقيق، حيث يطوّر هناك موهبته في فنّ الاختفاء وينجح مرّة تلو الأخرى في الاختفاء وراء سجّانه كلما يدخل لإعطائه الطعام في مشاهد لا تخلو من الدهشة.

ينتهي الفيلم بطريقة ساحرة يستعمل فيها الرجل موهبته في التخفي ويجعلنا المخرج نتساءل إن كان كل ما حصل نسج من الخيال أم حقيقة غريبة ويُختتم بمشهد نهائي رائع يجمع البطلين ويترك المشاهد مدهوشاً وحائراً.

يتميّز الفيلم بالصمت المطبق بين البطلَين والصمت سمة في معظم أفلام المخرج، لكنّه صمت لا يصيب المشاهد بالملل بل يدفعه أكثر إلى الغوص في أحداث الفيلم ليعرف سرّ تلك العلاقة الغريبة التي جمعَت البطلين وتجعله ينساق معهما في عالمهما الغريب ليصل إلى النهاية أو البداية أو الخيال أو الحقيقة المتمثلة في التوازن وخفّة الجسد والروح.

أكثر ما يلفت في الفيلم هو المتعة البصرية في الإخراج والشخصيات الغريبة والمضطربة والمميزة في آن لأبطاله والبساطة في الحبكة الممزوجة بغموض الخدعة والتي تحاكي المشاهد بطريقة مختلفة، وبالطبع المشهد ما قبل النهائي الساحر والسوريالي للزوج والزوجة والحبيب ويختتم المخرج الفيلم بعبارة: “من الصعب أن نعرف إذا كان العالم الذي نعيش فيه حقيقة أم حلماً”

فاز الفيلم بعدة جوائز عالمية أبرزها جائزة أفضل إخراج في مهرجان البندقية السينمائي وحقق نجاحاً عند عرضه في الصالات.

الفيلم: المنزل الفارغ

3-Iron

إنتاج: كوريا الجنوبية 2004
إخراج: كيم كي دوك
كتابة: كيم كي دوك
إنتاج: كيم كي دوك
تمثيل: جاي هي – لي سونغ يونغ
المدة: 88 دقيقة

عن موقع قاديتا:

http://www.qadita.net/featured/wael-3/