السقوط الحرّ، مثلية رجل أسرة

Posted: June 29, 2014 in Cinema

Image

السقوط الحرّ هو سقوط الجسم باتجاه مركز الأرض تحت تأثير قوة الجاذبية، لكن لا علاقة للجاذبية بالسقوط التدريجي لبطل هذا الفيلم، ربّما للطبيعة علاقة بالأمر لكنّ خياراته في سياق الفيلم وعدم حسمه لأمره جعلته يعيش حالة ضياع رافقته طوال فترة تجربته التي خرج منها خاسراً من جميع النواحي.

“السقوط الحرّ Free fall ” هو فيلم ألماني يتناول قصّة مارك، رجل الشرطة الذي ينتظر مولوداً مع حبيبته التي انتقل للعيش لديها مؤخراً، والذي يعيش حياة عادية بين عمله وأسرته الجديدة، يطلي جدران غرفة المولود الجديد ويعانق حبيبته ويخرج مع أصدقائه. لكنّ حياة مارك تنقلب رأساً على عقب عندما يتعرّف إلى زميله في أكاديمية الشرطة كاي، الذي يرافقه في رياضة الجري ويفصح عن إعجابه به من خلال محاولات للتقرّب منه، يصدّها مارك في البداية، مستغرباً الشعور الذي يحدوه تجاه ذاك الرجل، أو تجاه رجل، ليعود ويستسلم له ويمضي نحوه ويتعلق به بكامل إرادته، ويبدأ علاقة جنسية سريّة سرعان ما تتحوّل إلى علاقة عاطفية بين الرجلين. يتدارك مارك نفسه بعد ولادة طفله وانتقال حياته مع حبيبته إلى مرحلة جديدة ويحاول إنهاء علاقته بكاي الذي يلتحق بقسم الشرطة الخاص بمارك ويصبح ملازماً له بشكل يومي في العمل. يتخبّط مارك في مشاعر متناقضة وتخرج الأمور عن سيطرته، تارة يجد نفسه متعلقاً بزوجته وحياته الأسرية الجديدة وطوراً يعود ويحنّ إلى ذاك الشعور الجديد والغريب والعلاقة العاطفية التي تجمعه بكاي، ليعيش صراعاً مريراً يجعله يواجه صعوبة في الاختيار بين الاثنين، وتتصاعد الأحداث عندما تنكشف مثلية كاي في العمل ويتعرض لمضايقات زملائه، وعندما تكتشف والدة مارك علاقته بكاي، وأخيراً عندما تعرف زوجته بتلك العلاقة ويعيش صراعاً قاتلاً لا يجد فيه سبيلاً لحلّ مشاكله.

قيل عن الفيلم إنه النسخة الألمانية من فيلم “جبل بروكباك” حيث تتشابه القصة من ناحية تخبّط البطل مع مثليته وصعوبة اتّخاذ قرار ترك عائلته والعيش مع عشيقه، الفكرة متقاربة مع اختلاف في التفاصيل، لكن هذه المقارنة تظلم الفيلم الألماني، ففيلم “جبل بروباك” مكتمل العناصر من الإخراج والتصوير السينمائي والقصّة والبراعة في الأداء التمثيلي بينما لا يعتمد فيلم “السقوط الحرّ” على أي من تلك العناصر بل تشكّل القصة ركيزته الأساسية، تلك القصة التي تأخذ منحى تصاعدياً سريعاً في الأحداث وتجعل المشاهد متشوقاً لمعرفة كيف سينتهي الفيلم.

لعلّه من الأجدى مقارنة الفيلم بأول  فيلم ألماني طرح موضوع المثلية الجنسية عام 1989 (وآخر فيلم لأنّه صوّر في ألمانيا الشرقية وتزامنت ليلة عرضه الأوّل مع انهيار جدار برلين الذي كان يفصل بين ألمانيا الشرقية والغربية) وهو فيلم “البوح بالمثليةComing out “والذي كان من أنجح أفلام المثلية الجنسية الألمانية. يتناول الفيلم قصّة أستاذ مدرسي يتزوج بفتاة تحمل منه بالتزامن مع اكتشافه هويته الجنسية حيث يغرم بشاب في ملهى ليلي ويعيش صراعاً للاختيار بين زوجته وعشقيه، وقد حاز الفيلم على جائزة الدبّ الفضي في مهرجان برلين السينمائي. تتشابه قصة الفيلمين وأحداثهما والمواقف التي يتعرض إليها بطلاهما بالرغم من وجود أكثر من 30 سنة بينهما، ما يرسّخ فكرة تردد المثلي في تقبل هويته والإفصاح عنها منذ 30 سنة وحتى يومنا هذا.

يطرح الفيلم أيضاً قضية تعامل المجتمع الأوروبي مع المثلية الجنسية، فالمجتمع الذي يبدو منفتحاً على المسألة لا يزال يعاني رهاب المثلية في الأسرة والعمل والمجتمع، وهذا ما يظهره الفيلم في رفض الأهل الكلي لمثلية ابنهما المتزوج ومحاولاتهم الحثيثة لمحاربة عشيقه، ويظهر ذلك أيضاً في رهاب المثلية الذي يأخذ منحى العنف اللفظي والمعنوي والجسدي في العمل، حيث تبدو الكراهية جلية في نظرات زملاء كاي في قسم الشرطة التي تتطور إلى تعليقات مستفزة وعنف جسدي لا يوقفه التقدم بشكوى من هنا أو التكلم مع مسؤول من هناك حيث لا جدوى من ذلك كما يقول البطل في الفيلم.

يتساءل المشاهد عن مثلية مارك المفاجئة، فالرجل كان يعيش علاقة غيرية طبيعية قبل الالتقاء بكاي، ما يطرح السؤال إن كانت المثلية حصلت لديه في سنّ متأخرة أم أنها كانت موجودة لديه ولم تُتح له فرصة عيشها والتعبير عنها، وكيف لرجل متزوّج عاشر فتيات طوال حياته أن يشعر بانجذاب لرجل؟ يترافق ذلك مع تفاصيل علاقة مارك الحميمة مع زوجته وتدهورها بعد أن كانت علاقة عاطفية وجنسية طبيعية لتتحول نفور وعدم قدرة على التواصل يؤدي إلى فشل العلاقة من جميع جوانبها.

تشكّل قصّة الفيلم وأحداثه نقطة قوّته، حيث تعتمد معظم الأفلام التي تتناول موضوع المثلية الجنسية على قصص سطحية مكررة وعلى مشاهد جنسية وعلى كليشيهات المجتمع المثلي لتأتي متشابهة بمعظمها وبعيدة عن الواقع. من هنا يؤخذ على الفيلم انجراره في بعض المشاهد إلى ترسيخ تلك الكليشيهات عن المثلية الجنسية حيث ركّز على العلاقة الجنسية بين الرجلين دون التركيز على الجانب العاطفي، بالإضافة إلى ترسيخ الصورة النمطية المتداولة عن المثليين والمتمثلة في السهر وممارسة الجنس بسهولة ومن دون حماية في النوادي الليلية في مشاهد لا تقدّم ولا تؤخر في قصة الفيلم ولم يكن هناك داعٍ لإقحامها فيه.

الفيلم من بطولة آنو كوفلير في أداء مقنع للغاية حيث يجعلنا نعيش التخبّط الذي تعيشه شخصية مارك طوال الفيلم من خلال الاضطراب والصراع الظاهرَين في تعابير وجهه، يشاركه البطولة ماكس رايملت في أداء جيّد وإن كان بدرجة أقلّ من أداء الأول، لكنّ الكيمياء بين الممثلين كانت ظاهرة بشدّة وشكلت مع القصة أهمّ عنصر من عناصر نجاح الفيلم.

الفيلم: السقوط الحرّ Freier Fall

إنتاج: ألمانيا 2013

إخراج: ستيفان لاكانت

كتابة: كارستين دالين –  ستيفان لاكانت

تمثيل: آنو كوفلير – ماكس رايملت – كاثارينا شاتلر

المدة: 101 دقيقة

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s