Archive for June, 2014

Image

السقوط الحرّ هو سقوط الجسم باتجاه مركز الأرض تحت تأثير قوة الجاذبية، لكن لا علاقة للجاذبية بالسقوط التدريجي لبطل هذا الفيلم، ربّما للطبيعة علاقة بالأمر لكنّ خياراته في سياق الفيلم وعدم حسمه لأمره جعلته يعيش حالة ضياع رافقته طوال فترة تجربته التي خرج منها خاسراً من جميع النواحي.

“السقوط الحرّ Free fall ” هو فيلم ألماني يتناول قصّة مارك، رجل الشرطة الذي ينتظر مولوداً مع حبيبته التي انتقل للعيش لديها مؤخراً، والذي يعيش حياة عادية بين عمله وأسرته الجديدة، يطلي جدران غرفة المولود الجديد ويعانق حبيبته ويخرج مع أصدقائه. لكنّ حياة مارك تنقلب رأساً على عقب عندما يتعرّف إلى زميله في أكاديمية الشرطة كاي، الذي يرافقه في رياضة الجري ويفصح عن إعجابه به من خلال محاولات للتقرّب منه، يصدّها مارك في البداية، مستغرباً الشعور الذي يحدوه تجاه ذاك الرجل، أو تجاه رجل، ليعود ويستسلم له ويمضي نحوه ويتعلق به بكامل إرادته، ويبدأ علاقة جنسية سريّة سرعان ما تتحوّل إلى علاقة عاطفية بين الرجلين. يتدارك مارك نفسه بعد ولادة طفله وانتقال حياته مع حبيبته إلى مرحلة جديدة ويحاول إنهاء علاقته بكاي الذي يلتحق بقسم الشرطة الخاص بمارك ويصبح ملازماً له بشكل يومي في العمل. يتخبّط مارك في مشاعر متناقضة وتخرج الأمور عن سيطرته، تارة يجد نفسه متعلقاً بزوجته وحياته الأسرية الجديدة وطوراً يعود ويحنّ إلى ذاك الشعور الجديد والغريب والعلاقة العاطفية التي تجمعه بكاي، ليعيش صراعاً مريراً يجعله يواجه صعوبة في الاختيار بين الاثنين، وتتصاعد الأحداث عندما تنكشف مثلية كاي في العمل ويتعرض لمضايقات زملائه، وعندما تكتشف والدة مارك علاقته بكاي، وأخيراً عندما تعرف زوجته بتلك العلاقة ويعيش صراعاً قاتلاً لا يجد فيه سبيلاً لحلّ مشاكله.

قيل عن الفيلم إنه النسخة الألمانية من فيلم “جبل بروكباك” حيث تتشابه القصة من ناحية تخبّط البطل مع مثليته وصعوبة اتّخاذ قرار ترك عائلته والعيش مع عشيقه، الفكرة متقاربة مع اختلاف في التفاصيل، لكن هذه المقارنة تظلم الفيلم الألماني، ففيلم “جبل بروباك” مكتمل العناصر من الإخراج والتصوير السينمائي والقصّة والبراعة في الأداء التمثيلي بينما لا يعتمد فيلم “السقوط الحرّ” على أي من تلك العناصر بل تشكّل القصة ركيزته الأساسية، تلك القصة التي تأخذ منحى تصاعدياً سريعاً في الأحداث وتجعل المشاهد متشوقاً لمعرفة كيف سينتهي الفيلم.

لعلّه من الأجدى مقارنة الفيلم بأول  فيلم ألماني طرح موضوع المثلية الجنسية عام 1989 (وآخر فيلم لأنّه صوّر في ألمانيا الشرقية وتزامنت ليلة عرضه الأوّل مع انهيار جدار برلين الذي كان يفصل بين ألمانيا الشرقية والغربية) وهو فيلم “البوح بالمثليةComing out “والذي كان من أنجح أفلام المثلية الجنسية الألمانية. يتناول الفيلم قصّة أستاذ مدرسي يتزوج بفتاة تحمل منه بالتزامن مع اكتشافه هويته الجنسية حيث يغرم بشاب في ملهى ليلي ويعيش صراعاً للاختيار بين زوجته وعشقيه، وقد حاز الفيلم على جائزة الدبّ الفضي في مهرجان برلين السينمائي. تتشابه قصة الفيلمين وأحداثهما والمواقف التي يتعرض إليها بطلاهما بالرغم من وجود أكثر من 30 سنة بينهما، ما يرسّخ فكرة تردد المثلي في تقبل هويته والإفصاح عنها منذ 30 سنة وحتى يومنا هذا.

يطرح الفيلم أيضاً قضية تعامل المجتمع الأوروبي مع المثلية الجنسية، فالمجتمع الذي يبدو منفتحاً على المسألة لا يزال يعاني رهاب المثلية في الأسرة والعمل والمجتمع، وهذا ما يظهره الفيلم في رفض الأهل الكلي لمثلية ابنهما المتزوج ومحاولاتهم الحثيثة لمحاربة عشيقه، ويظهر ذلك أيضاً في رهاب المثلية الذي يأخذ منحى العنف اللفظي والمعنوي والجسدي في العمل، حيث تبدو الكراهية جلية في نظرات زملاء كاي في قسم الشرطة التي تتطور إلى تعليقات مستفزة وعنف جسدي لا يوقفه التقدم بشكوى من هنا أو التكلم مع مسؤول من هناك حيث لا جدوى من ذلك كما يقول البطل في الفيلم.

يتساءل المشاهد عن مثلية مارك المفاجئة، فالرجل كان يعيش علاقة غيرية طبيعية قبل الالتقاء بكاي، ما يطرح السؤال إن كانت المثلية حصلت لديه في سنّ متأخرة أم أنها كانت موجودة لديه ولم تُتح له فرصة عيشها والتعبير عنها، وكيف لرجل متزوّج عاشر فتيات طوال حياته أن يشعر بانجذاب لرجل؟ يترافق ذلك مع تفاصيل علاقة مارك الحميمة مع زوجته وتدهورها بعد أن كانت علاقة عاطفية وجنسية طبيعية لتتحول نفور وعدم قدرة على التواصل يؤدي إلى فشل العلاقة من جميع جوانبها.

تشكّل قصّة الفيلم وأحداثه نقطة قوّته، حيث تعتمد معظم الأفلام التي تتناول موضوع المثلية الجنسية على قصص سطحية مكررة وعلى مشاهد جنسية وعلى كليشيهات المجتمع المثلي لتأتي متشابهة بمعظمها وبعيدة عن الواقع. من هنا يؤخذ على الفيلم انجراره في بعض المشاهد إلى ترسيخ تلك الكليشيهات عن المثلية الجنسية حيث ركّز على العلاقة الجنسية بين الرجلين دون التركيز على الجانب العاطفي، بالإضافة إلى ترسيخ الصورة النمطية المتداولة عن المثليين والمتمثلة في السهر وممارسة الجنس بسهولة ومن دون حماية في النوادي الليلية في مشاهد لا تقدّم ولا تؤخر في قصة الفيلم ولم يكن هناك داعٍ لإقحامها فيه.

الفيلم من بطولة آنو كوفلير في أداء مقنع للغاية حيث يجعلنا نعيش التخبّط الذي تعيشه شخصية مارك طوال الفيلم من خلال الاضطراب والصراع الظاهرَين في تعابير وجهه، يشاركه البطولة ماكس رايملت في أداء جيّد وإن كان بدرجة أقلّ من أداء الأول، لكنّ الكيمياء بين الممثلين كانت ظاهرة بشدّة وشكلت مع القصة أهمّ عنصر من عناصر نجاح الفيلم.

الفيلم: السقوط الحرّ Freier Fall

إنتاج: ألمانيا 2013

إخراج: ستيفان لاكانت

كتابة: كارستين دالين –  ستيفان لاكانت

تمثيل: آنو كوفلير – ماكس رايملت – كاثارينا شاتلر

المدة: 101 دقيقة

Image

يتطرق فيلم “قبل حلول الليل” إلى قصّة حياة الشاعر الكوبي رينالدو أريناس، وهو مقتبس عن آخر كتاب ألّفه قبل وفاته. ينقلنا الفيلم إلى كوبا الأربعينيات التي تشهد ولادة أريناس في ظل ديكتاتورية فولجنثيو باتيستا ثم ينتقل إلى الثورة الكوبية وينتهي في نيويورك حيث قضى الشاعر آخر سنوات حياته في المنفى.

يبدأ الفيلم بطفولة أريناس المؤلمة في الريف حيث يترعرع في منزل جدّه لوالدته المليء بالنساء المطلقات، مع والدته التي هجرها أبوه وينقل الفيلم صورة الفقر المدقع الذي كانت تشهده الأرياف في تلك المرحلة والذي كان يهرب منه الطفل إلى الطبيعة ليعيش حرية افتقدها في بيت جدّه المتزمت وفي كنف والدته التي تربطه بها علاقة معقدة.

ينتقل أريناس الشاب إلى هافانا في الستينيات لإكمال دراسته في ظل انتصار الثورة الكاستروية التي ناصرها وشارك فيها في البداية، لكنّه اكتشف أنها تمثّل ديكتوتارية ثانية، أدواتها وسائل قمع تحت ذرائع منع الترويج للرأسمالية ومعاداة الأفكار الشيوعية ومحاربة الأفكار والثقافة الأجنبية. يشكل ذاك العداء للثورة الكوبية مفصلاً رئيسياً في حياة الشاعر استمر حتى مماته وكان السبب الرئيسي في هروبه إلى المنفى، حيث تعرض لشتى أنواع التنكيل على يد القوات الحكومية، فمثليته المعلنة كانت موضع إدانة دائمة، حيث ألصقت به الحكومة تهم التحرش بقاصرين، بينما كانت تهمته الأخرى نشر كتابه الأول خارج البلاد من دون موافقة رسمية.

تمّ التنكيل بأريناس ومضايقته وملاحقته ومنعه من الكتابة، في ظل الجو العام السائد المناهض للمثلية الجنسية والفنانين غير المنضوين تحت لواء الثورة وزُجّ به في السجن لسنة كاملة، نرى كيف استغلها في الفيلم لتأليف كتابه الثاني حيث ساعد السجناء في كتابة رسائل حب لزوجاتهم وعشيقاتهم وتمكن من جمع ما يكفي من الورق لمواصلة كتاباته التي تمكن من تهريبها إلى خارج السجن لنشرها، لكنّ محاولته باءت بالفشل وعوقب وهدد بالقتل فاضطر إلى نبذ مجمل أعماله والاعتراف بأنه أخطأ بحق الثورة فأفرج عنه في عام 1976.

يتمكن أريناس من الهروب إلى الولايات المتحدة عام 1980 ويصور الفيلم مشهد وصوله تحت الثلوج إلى هناك على أنغام ترنيمة “قامت مريم” للسيدة فيروز. لكن سرعان ما تبدلت فرحته إلى حزن عميق، فقد هرب من سجن صغير إلى سجن كبير، حيث يقول في الفيلم بعد وصوله إلى الولايات المتحدة: “الفارق بين النظام الشيوعي والنظام الرأسمالي هو أنّك عندما تتعرّض إلى ركلة في مؤخرتكَ في النظام الشيوعي فعليك أن تصفّق، أما في النظام الرأسمالي فيمكنك الصراخ”.

تختصر النصف ساعة الأخيرة من الفيلم معاناة الشاعر في المنفى بعد إصابته بمرض فقدان المناعة المكتسبة (الإيدز) وعدم تمكنه من تغطية تكاليف علاجه وحالة البؤس الشديد التي رافقت ذلك حتى وصل به اليأس إلى الانتحار بمساعدة صديقه وشريكه لازارو كارييس (الذي شارك في كتابة سيناريو الفيلم).

تقارب قصة الفيلم مفهوم الثورات وانقلابها على مبادئها عند تسلمها السلطة، حيث تذكر فترة القمع الثقافي في كوبا بعد انتصار الثورة بالثورة الثقافية في الصين التي كبحت جماح الفنانين وصادرت حرية الرأي والإبداع وقمعت كل من يخالفها الرأي، والمفارقة أنّ انتحار أريناس عام 1990 تزامن مع انهيار الاتحاد السوفياتي حيث تمثّل أمام أعين الشعب الكوبيّ انهيار المدينة الفاضلة الممثّلة في الخطاب السياسي والثقافي مع انهيار ما كان يُعرف بالمعسكر الاشتراكي في أوروبا الشرقيّة وكان لهذا الانهيار تداعيات جمّة على الحياة الثقافية في كوبا.

بالعودة إلى الفيلم، فقد صور في المكسيك وأخرجه جوليان شنايبل، وشنايبل هو مخرج وفنان تشكيلي أميركي فاز بجائزة أفضل مخرج في مهرجان كان وبجوائز غولدن كلوب وبافتا وسيزار. ومن الجدير ذكره أنّ المخرج اليهودي الديانة جمعته علاقة دامت 4 أعوام  مع الصحافية الفلسطينية رولا جبريل التي اقتبس روايتها (ميرال) وحوّله إلى فيلم سينمائي عام 2010.

الفيلم من بطولة خافيير بارديم الذي أتقن الدور وحصل عنه على ترشيح لجائزة أوسكار عن فئة أفضل ممثل وفاز بجائزة كان السينمائية عن الفئة نفسها. وقد أمضى بارديم شهراً ونصف الشهر مع لازارو كارييس شريك أريناس لدراسة طريقة تصرفه وكلامه ومشيته. جاء اختيار بارديم للدور ممتازاً حيث قدّم أداء تمثيلياً رائعاً واعتبر هذا الدور فاتحة له، إذ انهالت عليه الأدوار الصعبة والمتقنة حصل من خلالها على أهمّ الجوائز العالمية في مسيرته.

يشارك في الفيلم الممثل جوني ديب في دورين مميزين وملفتين، إذ يلعب دور الضابط الذكوري الذي يستجوب أريناس في مشهد يحوّله الشاعر جنسياً في خياله لينتهي بإقحام المسدس في فمه كي ينبذ مجمل أعماله، ويلعب على النقيض تماماً دوراً أنثوياً متمثلاً في رجل متحول جنسياً يساعد الشاعر على تهريب أعماله إلى خارج السجن عبر إقحام لفافات الورق في مؤخرته لإخراجها في فترة زيارة السجناء وإعطائها لزائرته لتهرّبها إلى الخارج.

وعن عنوان الفيلم، «قبل حلول الليل»، يقول أريناس في كتابه التي حوّله المخرج إلى هذا الفيلم: “سبق لي أن بدأت تدوين سيرتي الشخصية في كوبا وكنت قد عنونتها بـ«قبل حلول الليل». في ذلك الوقت، بما أني كنت أحيا كبدائي في الغابات، كان عليَّ أن أكتب دائماً قبل حلول الظلام؛ الآن يقترب الظلام نحو داخلي أكثر فأكثر، هذا الليل الأسود للموت، وعليَّ، بالفعل، أن أتمّ مذكراتي قبل حلول ذلك الليل”.

الفيلم: “قبل حلول الليل” Before night falls

إنتاج: الولايات المتحدة 2000

إخراج: جوليان شنايبل

كتابة: كونينغهام أوكيفي – لازارو غوميز كاريليس – جوليان شنايبل

تمثيل: خافيير بارديم – أوليفييه مارتينيز – جوني ديب – شون بين

المدّة: 133 دقيقة

 

عن موقع قاديتا:

http://www.qadita.net/featured/before-night-fall/