Archive for April, 2014

 

10010851_10153959272710478_155418880030323983_o

Departures (Japan – 2008)

تعتبر السينما اليابانية من أكبر وأقدم صناعات السينما في العالم، حيث يعود تاريخها إلى أكثر من مئة سنة، وقد تطورت وتبدلت مواضيعها مع مرور السنوات وتأثرت بحركات الحروب والثورات والحالات الاجتماعية التي مرّت بها اليابان وتنوعت تلك المواضيع ما جعلها تحفر إسماً لها في السينما العالمية وتبرز بشدّة على صعيد المهرجانات السينمائية العالمية.

لعلّ أبرز صناع السينما في اليابان هو “أكيرا كوروساوا” وهو المخرج الياباني الأكثر شعبية في العالم والذي امتدت مسيرته السينمائية على مدى أكثر من 50 عاماً، وسيكون لي مقال لاحق عن أحد أهم أفلامه، لكني أتناول في هذا المقال فيلماً من السينما اليابانية الحديثة يتكلم عن الحياة والموت وتأثير التقاليد الاجتماعية في اليابان.

يتناول فيلم (أوكوريبيتو) Departures الموت بطريقة مباشرة عبر قصّة دايغو عازف التشيلو في الأوركسترا الوطنية الذي يخسر عمله ويضطر إلى مغادرة طوكيو والعودة

مع زوجته إلى مسقط رأسه في المنزل الذي عاش فيه مع والدته بعد أن هجرهما والده عندما كان في السادسة. يبدأ دايغو العمل في تكفين الموتى وتأدية مراسم الموت قبل انتقالهم إلى العالم الآخر. ترفض زوجته والمجتمع مهنته ويواجه الأحكام المسبقة وسوء الفهم المجتمعي لمهنته لكنّه يصرّ على البقاء في عمله حتى تأتي ولادة الربيع ومعه تأتي حياة جديدة عبر عودة زوجته إليه وهي حامل، ثم تقديرها لعمله ليُختتم الفيلم بحادث مؤثر يؤدي إلى تصالح دايغو مع الطفل الذي بداخله في خاتمة جميلة لأحد أبرز الأفلام اليابانية في السنوات العشر الأخيرة.

يسلط الفيلم الضوء على مهنة الحانوتي الذي يؤدي طقوس الموت وعلى التباين بين موضوع الموت الذي يعتبر من المحرّمات في اليابان والوظائف المرتبطة به ودور مؤدي طقوس الموت في تكريم المتوفي. وقد ظهر دايغو في بادئ الأمر غير قادر على التغلب على المحرمات والحساسية المفرطة تجاه موضوع الموت وتمثّل ذلك في نفور زوجته وأصدقائه منه بسبب القيم التقليدية الرافضة لمهنته. لكنّه يجد معنى مقدساً للحياة في مهنة التعامل مع الموت والموتى ويرفض الاستسلام لعادات المجتمع وينجح في التغلب عليها.

يتناول الفيلم هذا الموضوع بسبب حساسيته في اليابان، فالمجتمع الياباني يعتبر كل ما يرتبط بالموت نجساً وبالتالي يعتبر الأشخاص الذين يعملون على تحنيط الموتى أو يؤدون الطقوس عليهم نجسين، حيث كان هؤلاء منبوذين خلال الحقبة الإقطاعية وكانوا يجبرون على العيش في قرى خاصة بهم وكانوا يتعرضون للتمييز من قبل المجتمع، وبالرغم من التحوّل الثقافي الذي حصل في حقبة الامبراطور مايجي والذي أدى إلى تغيرات هائلة في البنية السياسية والاجتماعية في اليابان، فإنه لا يزال لوصمة الموت قوة كبيرة داخل المجتمع الياباني، حتى إنّ المخرج لاقى صعوبة في تمويل الفيلم نظراً للمحرمات المتعلقة بموضوع الموت واضطر إلى طرق باب عدّة شركات قبل الحصول على الضوء الأخضر من ممولي الفيلم.

تمثّل مشاهد تكفين الموتى وتأدية الطقوس عليهم السمة الأبرز في الفيلم من حيث جماليتها من جهة وجو الحزن المسيطر عليها من جهة أخرى، فهي لا تتعلق بتجهيز الجثمان من أجل دفنه فحسب، بل تتعدى ذلك إلى تقديم الإجلال للموت والاحترام للميت والعزاء لمحبّيه، وبالرغم من أنّ موضوع الفيلم هو الموت، إلاّ أنّه يعبّر عن الحياة وعن إيجاد معنى مفقود للشعور بالإنسانية.

يُغني القصّة إخراجاً متقناً يجمع بين جمالية الطبيعة والموسيقى والحياة والموت، إذ يتفوق هدوء مشاهد التكفين وتأدية المراسم على سكون الجبال المكللة بالثلوج والمروج الخضراء التي تشكل خلفية للبطل وهو يعزف على التشيلو ويأخذنا الفيلم إلى ذاك الحدّ الفاصل بين الحياة والحياة الأخرى بشكل بسيط وعميق في الوقت عينه…

لاقى الفيلم نجاحاً هائلاً في اليابان بعد تردد المنتجين في طرحه في الأسواق بسبب حساسية موضوعه، وفاز بعشر جوائز في أكبر مهرجان سينمائي في اليابان، وكان أول فيل ياباني يفوز بجائزة أوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبي لعام 2008.

بعد النجاح الجماهيري الواسع الذي لاقاه الفيلم، حظيت مهنة تكفين الموتى وتأدية مراسم الموت بقدر أكبر من الاهتمام والاحترام في اليابان وتمّ افتتاح أكاديمية للتدريب على التحنيط والتكفين وتأدية مراسم الموت.

الفيلم: Departures

إنتاج: اليابان 2008

إخراج: يوجيرو تاكيتا

كتابة: كوندو كوياما

تمثيل: ماساهيرو موتوكي –ريوكو هيروسو – تسوتومو يامازاكي

المدة: 130 دقيقة

من موقع قاديتا:

http://www.qadita.net/featured/wael/

Advertisements