maxresdefault

مطرب الملوك، زرياب، مطرب العاشقين، سفير الطرب، راهب العشاق، ألقاب كثيرة نالها أديب الدايخ عن جدارة، فهو صاحب مساحة صوتية خارقة إذ كان ينتقل من النغمة المرتفعة الحادة إلى المنخفضة بسهولة متناهية كما كان ينتقل من مقام إلى آخر ببراعة فائقة، كان ملماً بعلم وفنّ المقامات ومتمكنًا من الفهرس العلمي لها، كان يتفنن بالارتجال المتناسق من مقام إلى آخر بصوته اللين وخامته النقية.

*****

تعتبر مدينة حلب مركز إشعاع حضارياً و ثقافياً منذ القدم حيث اشتهرت في العديد من المجالات أهمهاالثقافة والفنون، والمعروف عن أهل حلب شغفهم بالموسيقى العربية التراثية الاصيلة وإبداعهم في أداء الموشحات الأندلسية وغيرها من التخصصات الغنائية، فمدينة حلب تعتبر وبلا منازع عاصمة الطرب في الوطن العربي ومنبراً للعديد من رواد الطرب الاصيل أمثال صباح فخري ومحمد خيري وصبري مدلل وأديب الدايخ بالإضافة إلى العديد من كبار الملحنين أمثال الشيخ عمر البطش الذي لحن ما يزيد عن مئة موشح وبكري الكردي وكذلك تلامذة الشيخ عمر البطش أمثال بهجت حسان وعبد القادر حجار وغيرهم من الكثير من المبدعين.

*****

قولوا لها إنني لازلت أهواها
مهما يطول النوى لا أنسى ذكراها
هي الأمانى من الدنيا
هى أملى هى السعادة ما أحلاها وأشهاها
هى التى علمتنى كيف أعشقها
هى التى قد سقتنى شهد ريّاها
الشعر من وحيها دُرٌ مُرصعٌ
والفن من لحنِها واللحن مغناها
نور من الله سواها لنا بشراً
كساها حُسناً وجملها وحلاها
فإن عبدتها لا إشراك بالله
لأننى فى هواها أعبد الله

*****

أنغام ناي، مجموعة رجال يجلسون في دائرة يطربون لصوته ويرددون الآه انتشاءً، يتوسطهم أديب الدايخ بطربوشه الأحمر ويصدح بكلمات القصيدة. يعزف العازف الناي بين الجملة الموسيقية والأخرى ثم يسكت ليصدح الدايخ بصوته الرخيم الذي يفوق عزف الناي عذوبة في واحدة من السهرات الخاصة في بيوتات حلب التي كان يفضلها الدايخ على المسارح والمطاعم لما فيها من تآلف وانسجام بعيداً عن شوائب الضجيج وتصنع الذائقة.

******

وُلد أديب الدايخ في مدينة حلب عام 1938، والده الشيخ محمد الدايخ، القارئ ذو الصوت العذب والأذن الموسيقية الذي التقط صوت ابنه الطفل أديب، فعلّمه قصائد العرب وأئمة الصوفية وشعراءها. بدأ يحيي حفلات القرآن في سنّ صغيرة وبرزت موهبته حتى سُمي بأعجوبة حلب.

كبر الطفل وبدأ منذ سن الـ 15 سنة بتجميع القصائد والأشعار التي حفظ نحو عشرة آلاف بيت منها جمعها في مجموعة خاصة به سماها «الكنز الكبير» إذ ضمّت آلاف الشعراء من العصر الجاهلي والأموي والعباسي حتى العصر الحديث.

صدح صوته في أواخر السبعينيات من إذاعة مونت كارلو فأثار اهتماماً واسعاً في الوسط الفني اللبناني وراحت المجلات الفنية تكتب عن صاحب الصوت الذي راح يتردد في جميع محلات بيع التسجيلات في بيروت وتحول إلى ظاهرة فيها حتى كتب وليد غلمية بأن صاحب الصوت رجل اسمه أديب الدايخ من مدينة حلب.

*****

يومَ الوَداعِ فلا سَقَتْكَ طَلولُ
كم أَرَّقَتْنا في البُعادِ طُلولُ
رِقِّي (سُعادُ) وودِّعينا فالنَوى
مُرٌّ ـ فَدَيْتُكِ ـ والفراقُ طويلُ
لا ذُقتِ ما ذاق الفؤادُ من الهوى
أبَداً فما أمرُ الغرامِ قليلُ
أوَ تُسعفين أيا سعادُ بنظرةٍ؟
يا أُ نْسَ روحي هل لذاك سبيلُ ؟
فلعلّني أَقضي وأُدْفَنُ عندها
وعسى تُوافي تُرْبتي وتَقولُ
نَمْ يا حبيبي ما عرفتُك صادقاً
حتى قضيت وحان منك رحيلُ
نَمْ يا حبيبي قد وهبتك مهجتي
يومَ القيامةِ إذ يدومُ وُصولُ
حَرَّمْتُ نفسي عن سواكَ وإنني
حتى نُزَفَّ إلى الجِنانِ بَتولُ
إن حَرَّم المَوْلى لقانا هاهنا
فلنا لقاءٌ في الجِنانِ يطولُ
وهناك لن نلقى عذولاً ظالماً
ما ثَمَّ إلاّ خُلَّةٌ وخليلُ
إن العواذلَ أَسرفوا في عَذلنا
يا ليتَ شعري هل هناك عذولُ؟

******

هي أشهر قصيدة غناها أديب الدايخ وتعتبر من أجمل القصائد التي كتبها إبن إدلب الشاعر عبد القادر الأسود، أداها الدايخ بمنتهى الشجن فحملت كلماتها بصوته معاني العشق والشوق والهوى.

*****

اشتهر أديب الدايخ لاحقاً عندما خرج من حلب متوجهاً الى أوروبا والغرب لإقامة حفلاته التي جعلت من متذوقي الفن حول العالم يشهدون له من دون أن يعلموا ويفهموا معاني القصائد التي يغنيها، وبعد مغادرته حلب راح بعض المعجبين بصوته ومواويله ينسخون ما لديهم من نوادر تسجيلاته ويتداولونها ويحافظون عليها ككنز لامثيل له فانتشرت أشرطة التسجيل النادرة جداً في دائرة ضيقة من الوسط الفن.

 

أمضى أديب الدايخ معظم حياته في نشر التراث العربي في العديد من البلدان العربية والأجنبية، ونال عدة أوسمة وألقاب، وكانت آخر حفلة له في معرض دمشق الدولي حيث وافته المنية بعدها عام 2001 عن عمر يناهز الثلاثة والستين عاماً.

Advertisements

lhasa

رحلت بسلام بعد مضي الأعياد، كما لو أنها لم تكن تريد إثقال كاهل عائلتها برحيلها في فترة الأعياد، أغمضت عينيها للمرّة الأخيرة قبيل منتصف ليل الأول من كانون الثاني 2010، تساقطت الثلوج لمدة 4 أيام متتالية في مونتريال بعد ذلك اليوم الحزين الذي أرخى بثقله على محبيها حول العالم.

إسمها لاسا دي سالا، مكسيكية الأصل، أميركية المولد، كندية الجنسية، غنت الأحلام والترحال والعلاقات والحزن والحب، غنت بالفرنسية والإنكليزية والإسبانية، غنّت في المقاهي والحانات والملاهي، عكست أغانيها ثقافتها الأميركية والمكسيكية واللبنانية والفرنسية، غنّت منذ نعومة أظافرها حتى الرمق الأخير.

ولدت لاسا في 27 أيلول عام 1972 في مدينة نيويورك من أب مكسيكي وأم أميركية وتنقلت في طفولتها بين الولايات المتحدة والمكسيك حتى استقرت في سان فرانسيسكو مع والدتها وأخواتها في سنّ الـ 13 سنة بعد انفصال والدَيها، وبدأت هناك الغناء في أحد المقاهي، انتقلت عام 1991 للعيش في مونتريال لتغني لمدة 5 سنوات في الحانات حتى لمحها أحد المنتجين تغني أمام جمهور صغير في أحد الملاهي فأعجب بخامة صوتها وشخصيتها والكاريزما التي تتمتع بها فأنتج لها ألبومها الأول la llorona  الذي صدر عام 1997.

غنت لاسا باللغة الإسبانية في ألبومها الأول الذي لاقى نجاحاً ملفتاً في كندا وفرنسا وباع أكثر من 700 ألف نسخة وهو إنجاز مفاجئ لألبوم غير تجاري باللغة الإسبانية، فاز الألبوم المتأثر بالموسيقى المكسيكية وموسيقى الكليزمر والأغاني العاطفية وموسيقى الجاز والموسيقى الغجرية بجائزتَي فيليكس وجونو الكنديتَين وأطلق النجمة في سماء العالمية بأغانٍ غير تقليدية وأسلوب مختلف ومميّز.

بعد جولة في أوروبا وأمريكا الشمالية دامت عدّة سنوات، انتقلت لاسا الى فرنسا عام 1999 للانضمام إلى أخواتها اللواتي يعملن في السيرك .غنت لاسا في عرض الفرقة وعاشت في المقطورات مع أخواتها منتقلة من مكان إلى آخر مكررة حياة الترحال التي عاشتها في طفولتها حتى وصلت في نهاية المطاف إلى مرسيليا حيث شرعت بكتابة الأغاني مجدداً.

بعد تأليف ما يكفي من المواد، عادت لاسا الى مونتريال مع أغانيها الجديدة لإنتاج ألبومها الثاني “الحياة على الطريق” الذي صدر عام 2003 وضمّ أغانٍ باللغة الإنجليزية والفرنسية والإسبانية. كان الألبوم مختلفاً تماماً عن ألبومها الأول الذي أصدرته قبل 7 سنوات حيث جاء شخصياً ومتنوعاً من حيث مضمون الكلمات والألحان فتنوعت الأغاني من الرانشيرا العذبة والأنثوية إلى اللحن الإنجيلي الصاخب، ومن أغاني البلوز الإيقاعية إلى التهويدات الهادئة.

طافت لاسا 17 بلداً في جولة دامت سنتَين بعد تسجيل ألبومها الثاني وتعاونت مع مجموعة متنوعة من الفنانين كان أبرزهم المؤلف الموسيقي اللبناني ابراهيم معلوف، ألفت من بعدها كتاب “الطريق يغني” باللغة الفرنسية الذي يتكلم عن تجارب وانطباعات في حياة المغنية على الطريق مع أخواتها وعن الموسيقى وعن حياتها.

أدت عام 2006 أغنية السيدة فيروز “أعطني الناي وغني” التي كتبها جبران خليل جبران، تكريماً لجذورها اللبنانية وحبها الكبير للبنان الذي زارته في العام نفسه، كما وأدت الأغنية مجدداً في حفل موسيقي خيري في مونتريال تضامناً مع لبنان في الحرب التي شنها العدو الإسرائيلي عليه عام 2006.

سجلت لاسا ألبومها الثالث والأخير “لاسا” عام 2009 الذي أنتجته وكتبت جميع كلمات أغانيه باللغة الإنكليزية. أظهر الألبوم الذي  بذلت فيها المغنية جهداً واضحاً نضوجاً فنياً لدى لاسا، حيث استخدمت آلات موسيقية بسيطة لكن غير عادية فجاءت الألحان حميمية ودافئة كما جاءت الكلمات مرهفة وشفافة. بعد تسجيل الألبوم وقبل إصداره، تمّ تشخيص سرطان الثدي لدى المغنية الثلاثينية، فألغت جولتها العالمية التي كانت ستبدأ في نهاية عام 2009 بسبب مرضها.

بعد معركة دامت 21 شهراً مع سرطان الثدي، رحلت لاسا مساء الأول من كانون الثاني عام 2010 عن عمر يناهز الـ 37 سنة في منزلها في مونتريال. غابت الفنانة التي أغنت الموسيقى العالمية بصوتها الدافئ وأغنياتها المميزة والبعيدة عن صخب الأعمال الموسيقية الحديثة، والتي لو قدر لحياتها الفنية أن تستمرّ، لأضحت واحدة من أفضل فنانات جيلها.

http://www.qadita.net/featured/lhasa/

image1

هي صاحبة الصوب الشجي من زمن الفنّ الجميل، هي التي عاكستها الظروف وأضاعت الكثير من الفرص، هي التي في رصيدها أكثر من ستّة آلاف أغنية لم تؤرشَف وطوى النسيان معظمها، هي التي أطربت عبد الوهاب فدعاها إلى أنّ تسجل أغنياته القديمة الأولى بصوتها، هي التي عرض عليها بليغ حمدي باكورة أعماله لتختار بينها والتي لحّن من منزلها الباريسي لكبار الفنانين والفنانات، هي التي اختارت لها السيدة فيروز اسمها الفنّي، هي اللبنانية اليهودية التي تنقلت منذ صغرها بين العواصم العربية لتحقيق حلمها في الغناء، هي ابنة الموسيقي الحلبي فرج عواد والمغنية الاسكندرانية صالحة المصرية وشقيقة نرجس شوقي التي اشتهرت في العراق وغنت لكبار الملحنين العراقيين، هي زوجة محمد عبده صالح عازف القانون في فرقة أم كلثوم، وعبد الجليل وهبي صانع مجد الأغنية اللبنانية، وتوفيق الباشا أهم أعلام الموسيقى العربية واللبنانية، هي والدة الموسيقي وعازف البيانو اللبناني العالمي عبد الرحمن الباشا، هي بهية، بيبي، وداد وهبي، هي الفنانة وداد التي أغنت المكتبة الموسيقية العربية بأجمل الأغنيات ورحلت بصمت بعد أن طواها النسيان.

وُلدت وداد في تونس عام 1931 من أبوين يعملان في المجال الفني، والدتها هي المطربة الإسكندرانيّة صالحة المصريّة، ووالدها هو الفنان الحلبي فرج، كانت أغنياتها تبث بشكل يومي في الإذاعات العربية وغنت برفقة الكبير وديع الصافي في العديد من الحفلات بين بيروت وحلب مرددة “أنت وعذولي وزماني”، “يا ناسية وعدي”. ومن أوائل الأغنيات التي سجلتها بصوتها في الإذاعة اللبنانية أغنية “في غفوة الاحلام” و”مر الهوى قربي” من ألحان محمد عبدالكريم، بعد ذلك غنّت من ألحان عفيف رضوان “يا ساكن قلبي” و”يا حبيبة الكل” ولحسن الغندور “الف وردة ووردة” و”لولا الكلام” ومحمود الرشيدي “يا ليالي الهنا تعالي”. لحن لها زكي ناصيف “في وردة بين الوردات” وفيلمون وهبي “نجمات الليل جبتلو” وتوفيق باشا “لفتة نظر” و”لي حبيب” وأعاد الباشا بصوتها بعض الموشحات القديمة مثل “لما بدا يتثنى” بالاضافة إلى موشحات خاصة من ألحانه، وبصوتها أعاد أيضًا بعض أغاني سيد درويش منها أغنية “بصارة براجه”، ومن ألحان سامي الصيداوي غنّت وداد “يا ناعم” و”يسلم لي الفهم” و”صبحتو وما رد” و”لا قلبي ولا بعرفك” وقدم لها حليم الرومي عدة ألحان أيضاً.عوّاد، الذي كان رئيس الفرقة الموسيقيّة لمنيرة المهديّة. كانت حياة وداد حافلة بالترحال والتنقل بين العواصم العربية بحكم عمل والديها. في أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات، استقرت العائلة في بيروت. وبدأت وداد في الإذاعة الوطنية اللبنانية تغنّي السنباطي وليلى مراد وفايزة أحمد وعبد الحليم حافظ، ثم راحت تقوم بجولات فنية في لبنان وسوريا، حتى بلغت الخامسة عشرة. وحين سافرت برفقة والديها إلى القاهرة، تلقّت هناك عرضًا لتصوير تسعة أفلام كان يُفترض أن تجمعها بفناني العصر الذهبي في مصر من فريد الأطرش ومحمد فوزي وأنور وجدي مرورًا بفاتن حمامة، لكن والدها عارض الأمر وهجم عليها في استوديو التصوير وسحبها إلى الخارج. فرّت مع محمد عبده صالح، عازف القانون في فرقة أم كلثوم، الذي وعدها بأن يجعل منها نجمةً. لكن غيرته ظهرت بعد الزواج، وتوصّل والداها إلى استرجاعها منه بمساعدة أم كلثوم. ثم تزوجت من الشاعر اللبناني عبد الجليل وهبي واستفادت من خبراته وتواصلت مع الوسط الفني في لبنان. زواجها الثالث كان من الموسيقار اللبناني توفيق الباشا الذي يعتبر من الأسماء البارزة في التلحين والتوزيع الموسيقي في لبنان والوطن العربي، لحن لوداد عدة اغنيات كانت حافزًا لها على طريق الشهرة كما لحن لها الأغنية الخفيفة وأغنيات ذات الطابع الشرقي الأصيل والموشحات.

لعل أكثر ذكرياتها ألمًا هي خلافها مع محمد عبد الوهاب حيث قالت: “أكثر ما أندم عليه وسأبقى طوال حياتي هو أنني لم أوقع العقد الذي قدمه لي محمد عبد الوهاب. وقال لي مجدي العمروسي هذا عقد مع عبد الوهاب لإنتاج مجموعة أغاني له بصوتك قلت للعمروسي: سيبني أفكر. قال لي أنت مجنونة حدّ يقول أفكر مع عبد الوهاب؟ وزعل مني الموسيقار ومضت سنوات لألتقي به مجددًا في باريس، سمعني أغني في افتتاح إذاعة الشرق، بادرني بالقول: “فكرتي ولاّ لسه”.. تخيلي أنه لم ينسَ جوابي القديم. يومها عاد وطرح علي أغاني من ألحانه أسجلها بصوتي مثل “انت وعذولي وزماني” و “ما كانش عالبال” وغيرها لكن أولاد الحلال لعبوا بعقلي وقالوا: ولو خليه يلحن لك ألحان جديدة” جن جنونه عندما طالبته بألحان جديدة وقال: إيه الكلام اللي تقوليه يا وداد؟ دول أعز من أولادي. أنا اخترتك عشان أنت الصوت الوحيد القادر يؤديها. الجديد كلو مزيكا وكلام فاضي، لكن القديم ده أجمل شيء لحنته. ولم أمضي الشيك على بياض الذي كان أمامي ومن يومها استمر زعل الموسيقار حتى وفاته. وهذا أكثر ما يحز في قلبي وسأبقى نادمة عليه”

من الفرص الضائعة لوداد أيضًا أنّ بليغ حمدي قدم لها عدة ألحان منها “من بين ألوف”، في وقت كانت ظروفها الماديه لا تسمح لها بإتمام العقد فكانت الأغنيات من نصيب وردة الجزائرية؛ “بدك تقهرني طيب، غيبلك شي غيبة وجرب.. لما بترجع يا حبيّب شو بدك تندم”.

إنها أشهر أغنيات وداد ووراء الأغنية قصّة إذ ذهب سامي الصيداوي ذات مساء لزيارة صديقه توفيق الباشا زوج وداد و بعدما تناولا القهوة عرض عليه سامي أن يذهبا إلى المقهى لتمضية الوقت مع الأصحاب فطلبت وداد من زوجها عدم الذهاب وتركها وحيدة في المنزل فلم يلبِ طلبها فقالت له: “بتندم إذا رحت فضحك وبقي مصممًا على المغادرة فكررت قولها: “وحياة عيوني بتندم”. هنا لمعت الفكرة في رأس سامي ووجد الكلمات مناسبة لأغنية طريفة وهو المشهور بمونولوجاته النقدية فصاغ على كلمات هذا الحوار الزوجي القصير الأغنية الأشهر لوداد.

سُئلت المطربة اللبنانية عن سبب توقّفها عن الغناء في آخر إطلالاتها فأجابت: “لأن الناس ما بقى يحبّوا الطَرب، صاروا يحبوا الضَرَب”. توفيت وداد، عن سن يناهز 78 سنة بعد معاناة مع المرض، لتتوقف رحلة فنية امتدت لنصف قرن.

http://www.qadita.net/featured/widad/

vargas5

“ينعتونني جميعاً بالمرأة الباكية المتشّحة بالسواد

باكية لكنني محبّة…

أنا أشبه بالفلفل الأخضر

حادّة لكنني طيّبة المذاق…

خذيني إلى النهر أيتها المرأة الباكية

وغطّيني بشالكِ

لأنني أموت من الصقيع…”

تتناول الأغنية أسطورة شعبية في أميركا الجنوبية، عن امرأة تطارد وديان المكسيك باكية على أولادها الذين أغرقتهم في النهر في نوبة جنون بسبب رجل كانت تحبّه وقطع علاقته بها لأنه لا يرغب في عائلة، يهجرها الرجل نهائيًا بعد علمه بما فعلته، فتقتل نفسها.

بصوتها الأجشّ وتجاعيد وجهها العجوز، بعينيها الصغيرتين وشعرها الأبيض القصير، تنقل فارغاس الأسطورة بكل ما تحمله من أسى في أغنية “المرأة الباكية”. تجعلك تعابير وجهها الحزينة تحسب أنها تلك المرأة التي ضحّت بأعزّ ما تملك من أجل الحبّ. تهزّ رأسها، تومئ بيديها، يرتجف صوتها، تتوقف عن الغناء عند المقطع الموسيقي وتخفض رأسها ثم ترفعه دامعة العينين وتستأنف الغناء..

“إن كنتِ أحبّكِ أيتها المرأة الباكية

فإنّكِ تريدينني أن أحبّكِ أكثر…

إن كنت أعطيتكِ الحياة أيتها المرأة الباكية

فماذا تريدين غير ذلك؟

أتريدين المزيد؟”

 

تخفض رأسها مجددًا، تغمض عينيها، تصغي إلى الموسيقى ثم ترفع رأسها مجددًا وتصدح بالغناء، ترتفع حدّة صوتها مع حدّة كلمات الأغنية، تصرخ وتفتح يديها فيهبّ الجمهور مصفقًا فتنحني له..

*****

إنها الأيقونة اللاتينية شافيلا فارغاس صاحبة الصوت الرخيم الذي أعاد تعريف مفاهيم جمال الصوت والسلوك الناري المثير للمشاكل التي اتّخذت من المكسيك وطنًا لها وبدأت الغناء على الشوارع في سنين مراهقتها.

وُلدت شافيلا فارغاس في كوستاريكا عام 1919 ولجأت إلى المكسيك في سنّ الرابعة عشر حيث كانت صناعة الترفيه مزدهرة، غنّت في الشوارع لعدّة سنوات حتى أضحت مغنية محترفة في سنّ الثلاثين، ارتدت ملابس الرجال في صباها ودخّنت السيجار وأدمنت على شرب الكحول وحملت مسدسًا.

أصدرت ألبومها الأول “الليلة البوهيمية” عام 1961 ليليه 8 ألبومات أخرى عبر السنوات. لاقت نجاحًا منقطع النظير في الخمسينيات والستينيات حتى منتصف السبعينيات وجالت في بلدان عديدة من المكسيك إلى الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وكانت تربطها صلة وثيقة بالعديد من الفنانين والمثقفين البارزين في تلك الحقبة أهمهم الرسامة فريدا كالو. اعتزلت الغناء جزئيًا في أواخر السبعينيات بسبب معركتها الطويلة مع الإدمان على الكحول، تلك المرحلة التي وصفتها في مذكراتها بسني الجحيم الـ 15. صرّحت عن مثليتها في سنّ الـ 81، عادت فارغاس إلى المسرح عام 1991 وأصدرت ألبومها الأخير “القمر كبير” عام 2012 تكريمًا للشاعر الإسباني فريديريكو غارسيا لوركا.

 تخصصت فارغاس في غناء “الرانشيرا المكسيكية” وهو نوع من الموسيقى التقليدية المكسيكية يعود إلى ما قبل سنوات الثورة المكسيكية  كان يهيمن عليه المغنون الذكور لوقت طويل حتى اتخذته فارغاس نوعًا خاصًا بها فجردت الموسيقى من البوق والترتيبات الأخرى وجمعت بين القيثارات فرفعت أغنيتها الموسيقى إلى مستوى مختلف تمامًا.

****

“سئمت البكاء دون أمل

لا أعرف سواء يجب أن ألعنكِ أم أصلي لكِ

أخشى أن أبحث عنكِ وأجدكِ

حيث أشار إليّ أصدقائي أنكِ ذهبتِ

تمرّ أوقات أتمنى فيها التوقف عن الكفاح

وأحرّر نفسي من البراثن التي تتسبب بألمي

لكنّ عينَيي ستنطفئان دون رؤية عينيكِ

وسيعود حبي لانتظاركِ عند الفجر

أما أنتِ فقررتِ وحدكِ الذهاب لإيجاد فتاة عابثة

أين أنتِ أيتها الحمامة السوداء؟

لا تتلاعبي بكبريائي أيتها الفتاة العابثة

يجب أن تكون عاطفتكِ لي وليس لغيري

ولا تعودي رغم حبّي الجنوني لكِ

أنتِ قضبان قفص العذاب هذا أيتها الحمامة السوداء

أريد العيش بحرية مع فتاة أختارها

ليعطني الربّ القوّة لأنني أتوق لإيجادها”

 

*****

كانت هذه الأغنية إشارة إلى مثلية فارغاس التي لم تفصح عنها حتى بلغت 81 سنة، عشقت النساء وكثرت علاقاتها ولم تنكر أنها تعرج قليلًا بسبب إلقاء نفسها من النافذة نتيجة لخيبة أمل تعرّضت لها بسبب امرأة، حيث كانت فارغاس شديدة الرومانسية في صباها بقدر الأغاني الرومنسية التي كانت تؤديها. ربطتها علاقة شهيرة بالرسامة فريدا كالو التي قالت إنها عندما رأت عينيها بدتا لها من عالم آخر وشعرت أنها يمكن أن تكنّ لها أطهر حبّ في العالم.

 قالت في مقابلة صحفية: “كان يجب أن أكافح ليتمّ احترامي، أنا فخورة بحمل هذه الوصمة ووصف نفسي بالمثلية، لا أتفاخر بها وأنشرها لكنني لا أنكرها، كان عليّ مواجهة المجتمع والكنيسة الذين يدينان المثلية وهذا أمر سخيف، كيف يمكنهم الحكم على شخص وُلد كذلك؟ لم أحضر صفوفاً عن المثلية ولم يعلّمني أحد أن أكون كذلك، لقد وُلدتُ مثلية من اللحظة التي فتحتُ فيها عينَي على هذا العالم، لم أمارس الجنس مع رجل إطلاقاً، لهذه الدرجة أنا نقية، لا شيء يدعوني إلى الخجل، لقد خلقني الربّ كذلك“.

في الخامس من آب عام 2002، أغمضت شافيلا فارغاس عينيها للمرّة الأخيرة في المستشفى لترحل عن هذا العالم في سنّ الـ 93 بسبب مشاكل في القلب والجهاز التنفّسي، وفي اليوم التالي قامت ملكة البوهيميين بزيارة أخيرة إلى ساحة غاريبالدي، حيث ودّعها جيش من محبّيها. كانت آخر كلماتها: “أرحل والمكسيك في قلبي“.

http://www.qadita.net/featured/chavela-vargas/

in_the_mood_for_love11

لا يمكن ذكر المخرج وونغ كار واي دون التكلم عن تحفته السينمائية “في مزاج للحب”، الجزء الثاني من ثلاثية المخرج. يتناول الفيلم الذي التي ترتكز أحداثه في هونغ كونغ عام 1962 قصة الصحفي شوموان الذي يستأجر غرفة في أحد المباني في اليوم نفسه مع سو لي زين وفي الغرفة الملاصقة لغرفتها. كل منهما متزوج بشريك يأخذ العمل كل وقته ويتركه وحده، تتطور العلاقة بينهما وتقترح سو على شوموان مساعدته في كتاباته الصحفية حتى يلاحظ الجيران تقاربهما فيستأجر الرجل غرفة فندق بعيداً عن شقتيهما للالتقاء والعمل دون لفت الأنظار. ينشأ بين الثنائي حباً عذرياً يصل بهما إلى مفترق طرق حين يعلن شوموان لسو أنه سيغادر للعمل في سنغافورة ويطلب منها مرافقته لتتطور أحداث الفيلم إلى نهاية مشهدية فنية على إيقاع موسيقى الياباني شيغيرو أوميباياشي.

يتميز الفيلم بجوّه الحميمي وألوانه النارية حيث تؤطّر الكاميرا جميع التفاصيل في المشهد من دخان السجائر إلى قطرات المطر ومن البخار المنبعث من النودلز إلى شبكة المروحة المعدنية الصغيرة، مصوّرة الإثارة التي تظهر في أصغر تفاصيل الفيلم، من صوت الكعب العالي إلى تساقط قطرات المطر على وجه البطلين إلى نظرات أحدهما إلى الآخر التي تظهر الشغف والتوق إلى علاقة كاملة، والتشابه بين ألوان وتصميم فساتين سو والستائر في الغرف التي تدخلها، تفاصيل قد تحتاج إلى مشاهدة الفيلم أكثر من مرّة للتنّبه إليها.

يقدّم الفيلم جمالية المشاهد والتصوير والألوان النارية في إطار قصة حبّ في المكان والزمان غير المناسبَين بين شخصين يعرف كلاهما أنّ شريكه يخونه ويرفض الانحدار إلى مستوى الخيانة الجنسية والقيام بالأمر نفسه فتنشأ بينهما علاقة ملؤهها مشاعر جياشة.

أبدع المخرج بمساعدة مصوّره في معظم أفلامه كريستوفر دويل في طريقة تحريكه للكاميرا حيث كل مشهد مليء بالجمالية والغموض حيث يدخل إطار كاميرته في تفاصيل تهدد بالاستحواذ على المشاهد إذ تتطلب انتباهاً كبيراً لأنها عنصر في سرد القصة، كذلك يعكس التصوير حالة الثنائي العاطفية المكبوتة والمشاعر المدفونة من خلال تحرك الكاميرا ببطء من جانب إلى آخر لتعطي انطباعاً بأنها تطارد الشخصيتين وتختلس النظر إليهما من وراء أكشاك المطاعم والممرات الضيقة والمظلمة وعبر المرايا والقضبان ليشكل كل مشهد نوعاً من التداخل.

أكثر ما يميّز الفيلم ويعطي زخماً لمزاج الحبّ فيه هو الموسيقى التي أبدع في تأليفها الياباني شيغيرو أوميباياشي ليمزجها المخرج مع أغاني نات كينغ كول التي تعكس أجواء الستينيات الرومانسية.

برزت الممثلة ماغي تشونغ في أداء شخصية المرأة الأنيقة في ملبسها ومشيتها وتصرفاتها والمرأة الرومنسية التي تحاول مقاومة مشاعر الحبّ لديها وتعيش تخبطاُ كبيراً، وقد نالت تشونغ جائزة أفضل ممثلة في مهرجان هونغ كونغ السينمائي، أما شخصية الرجل الذي تُغرم به فقد لعبها بموهبة كبيرة الممثل توني لونغ وقد فاز عن أدائه بجاهزة فئة أفضل ممثل في مهرجانَي كان وهونغ كونغ السينمائيَين.

ترشّح الفيلم لجائزة السُعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي كما فاز بجائزة أفضل فيلم أجنبي في مهرجان سيزار الفرنسي ومهرجان السينما الألمانية ومهرجان نيويورك والبافتا بالإضافة إلى عدّة جوائز عالمية.

مزاج للحبّ لن تخرج منه طوال مدّة مشاهدة الفيلم مستمتعاً بجميع العناصر التي تصنع هذا المزاج، من تصوير وإخراج وإضاءة وموسيقى وتمثيل…

الفيلم: In the mood for love

إنتاج: هونغ كونغ، 2000

إخراج: ووتغ كار واي

كتابة: ووتغ كار واي           

تمثيل: توني لونغ – ماغي شونغ

تصوير: كريستوفر دويل – مارك لي بينغ بين

موسيقى: شيغيرو أوميباياشيمايكل غالاسو

المدة: 98 دقيقة

unnamed

تشكل ثلاثية وونغ كار واي تحفة فنية سينمائية ساحرة، تبدأ الثلاثية بفيلم “أيام الجموح” (يليه فيلما “في مزاج للحبّ” و”2048″) والذي تتركز أحداثه بين هونغ كونغ والفيليبين عام 1960. الفيلم غني بشخصيات غارقة في الوجودية المدمّرة والتصوير السينمائي المتقن والإيقاع البطيء والمرهق لعين المشاهد أحياناً والجوّ الخانق لعمل فني بامتياز.

تتنقل أحداث الفيلم بين يورك، زير النساء الذي يفتن الفتيات ثم يفطر قلوبهنَ والذي يبحث عن والدته البيولوجية، ولي زين ضحيته الأولى التي تعاني اكتئاباً ذهنياً وعاطفياً نتيجة لعلاقتها به فتجد العزاء لدى تايد الشرطي المتعاطف، وضحيته الثانية راقصة الكاباريه الجامحة ميمي التي يغرم بها زيب، صديق يورك المفضل سراً والتي تدخل مرحلة تدمير ذاتي بسبب شغفها في يورك الذي يقابلها بعدم قدرته على الالتزام بعلاقة عاطفية ولا مبالاة مستمدة من مشاعر متضاربة بسبب والدته بالتبني المومس السابقة، ووالدته البيولوجية الأرستوقراطية الفيليبينية التي تتخلى عنه وترفض مقابلته.

تتوالى أحداث الفيلم الذي لا يعتمد على الحبكة الروائية، بل على المقدرة الفردية للممثلين لسرد القصة من خلال حياتهم اليومية العادية ليصور ردّ فعل الشخصيات حيال النبذ العاطفي بغموض مواضيعي وجمالية سينمائية.

يصور الفيلم دائرة جنون من المشاعر الإنسانية حيث تنقل الشخصيات من مشاعر الحسرة إلى الشكّ الذاتي وحتى بداية الوهم في ظلّ جوّ محبط بقدر ما هو حقيقي، وهذه قاعدة أساسية في الأفلام الفنية.

يبتعد الفيلم كما هو الحال في معظم أفلام المخرج عن السرد ليركّز على التفاصيل: الجوّ العام والمشاعر العابرة ونفاسة الذاكرة وعلى تفاصيل صغيرة مدهشة، كالطريقة التي تترك بها لي زين شعرها ينسدل أمام وجهها، أو الدقّة المتناهية التي يمشّط بها يورك شعره، أو الطريقة التي يخفي بها تايد وجهه بقبعة الشرطي وذلك عبر التصوير السينمائي الفنيّ الملموس الذي يصيغه المخرج مع المصور السينمائي كريستوفر دويل والذي يخلق انقساماً أو حميمية من خلال تباعد دقيق.

يشكل الصمت والشوارع الفارغة سمة أساسية في الفيلم حيث يسود صمت غريب في خلفية مشاهد الفيلم، تخرقه أحياناً تكتكة ساعة حائط أو تساقط قطرات مطر أو صوت مدّ وجميعها أصوات تشكل علامات على مضي الوقت والفرص الضائعة كما يشكل الفيلم ما يشبه مقدمة للفيلمين اللاحقين حيث يقدم الموضوع والشخصيات التي ستتطور في الفيلمين اللاحقين.

يشكّل الممثلون المادة الرئيسية للفيلم الذي يرتكز على شخصياتهم وأدائهم حيث أبدعت الممثلة كارينا لو في دور الراقصة الجامحة والفتاة العاطفية والهشّة في آن والتي يبدو من خلال مظهرها وحركات جسدها أنها تعرضت لخيبات كثيرة في حياتها العاطفية. أما الممثلة ماغي شونغ الفائزة بجوائز أفضل ممثلة في مهرجانات برلين وكان وشيكاغو وهونغ كونغ فقد تميزت بأداء شخصية الفتاة البسيطة والمنهكة والوحيدة التي تتغير رتابة حياتها بسبب شاب وسيم يوليها اهتماماً مفاجئاً ثم ينبذها فتحمل يأسها وألم الإقصاء الذي لا مفر منه على كاهلها في معظم أحداث الفيلم. ويبدو الممثل ليسلي شونغ مناسباً لدور شخصية يورك المأساوية في أنانيتها وضياعها، وكان ليسلي شونغ أحد أيقونات الموسيقى والتمثيل ليس في الصين وحدها بل في معظم أنحاء القارة الآسيوية، وكما كانت نهاية الشخصية التي يجسّدها شونغ في الفيلم مأساوية، كذلك أنهى الرجل حياته بطريقة مأساوية عام 2003 عبر القفز من الطابق الرابع والعشرين لأحد الفنادق بعد معاناة مع الاكتئاب، ليشكّل رحيله صدمة للملايين في القارة الآسيوية بعد حياة حافلة فاز فيها بأهم الجوائز العالمية في الغناء والتمثيل (لي مقال سابق في الموقع عن فيلمه “وداعاً يا خليلتي” وهو واحد من أفضل أفلامه وأشهر الأفلام الصينية).

الفيلم من إخراج الصيني وونغ كار واي المعروف بأعماله الرنانة عاطفياً والفريدة بصرياً والمنمقة أسلوباً وهو أول مخرج صيني يفوز بجائزة أفضل مخرج في مهرجان كان عام 1997 عن فيلم “سعيدان معاً” كما كان أول صيني يترأس لجنة التحكيم في المهرجان عام 2006.

فاز الفيلم بعدة جوائز عالمية من بينها جوائز أفضل فيلم وأفضل إخراج في مهرجانَي هونغ كونغ والحصان الذهبي السينمائيَين كما احتل المركزين الثالث والرابع في تصنيف المهرجانين لأفضل مئة فيلم صيني.

الفيلم: Days of being wild

إنتاج: هونغ كونغ

إخراج: ووتغ كار واي

كتابة: ووتغ كار واي                      

تمثيل: ليسلي شونغ – ماغي شونغ – كارينا لو

المدة: 94 دقيقة

the_kid_with_a_bike_1

يتناول فيلم “صبي الدراجة” قصة سيريل البالغ 12 سنة والذي يتمرّد على كل من حوله بحثاً عن والده ودراجته المفقودة. يهرب سيريل من بيت الرعاية محاولاً البحث عن والده في شقّته القديمة ليلتقي عن طريق الصدفة بسامانتا التي تعطف عليه وتعيد شراء دراجته وتأخذه ليقضي نهاية الأسبوع لديها. تتطور العلاقة بين الاثنين حيث يجد الواحد في الآخر ضالته، تجد فيه سامنتا حاجتها إلى طفل في حياتها وتضحي بكل شيء من أجله بينما يجد فيها الحنان الذي يفتقده من أم متوفاة وأب غير مسؤول لا ينفكّ يطلب منه الخروج من حياته.

بين انجرار الطفل إلى دائرة العنف ورفاق السوء وتمرّده على النقص العاطفي ونبذ والده له، تحاول سامنتا تأمين حياة طبيعية له وتمنحه العطف الذي يفتقده فيضيع بين حالة الاستقرار التي يعيشها معها وواقع التمرّد الذي يطغى عليه والذي يجرّه إلى حياة الشوارع فيرتكب الخطأ تلو الأخر بينما تحاول سامنتا جهدها لإعادته إلى طريق الصواب.

أكثر ما يلفت في الفيلم هو الأداء الصادق والطبيعي للطفل الذي اختير بين مئة صبي تقدموا إلى تجربة الأداء حيث وقع اختيار المخرجين عليه بعد اختبار 4 صبية قبله، يبدو أداء الصبي تلقائياً وعفوياً في تجربته التمثيلية الأولى، وتتجسد تعابير الحيرة والتخبّط على وجهه، بينما تبرع الممثلة المخضرمة سيسيل دي فرانس في أداء دور سامنتا وتجسّد شخصية المرأة العاطفية والطيبة من خلال تعابير وجهها ولغة جسدها.

يتخلل الفيلم الكثير من اللحظات المؤثرة والحزينة كتلك التي يدخل فيها سيريل شقة والده السابقة محاولاً عبثاً البحث عنه في الغرف الفارغة، أو المشهد الذي يخبره فيه والده أنه لا يرغب في رؤيته أو الاتصال به مجدداً، أو المشهد الذي يليه والذي يثور فيه الصبي في السيارة ويضرب نفسه فتحاول سامنتا تهدئته واحتضانه وحتى المشهد الذي يقود فيه سيريل دراجته مع سامنتا إلى جانبه والذي يمثّل الأمل في حياة جديدة لا يخلو من نفحة من الحزن الجميل.

يبرع الأخوان البلجيكيان داردين في صنع فيلم يرتكز على القصة والممثلين في إبراز شخصية الصبي والمرأة حيث ابتعد المخرجان عن الدخول في السرد المطوّل لماضي وسيكولوجيا الشخصيتين مركزَين على إبراز ما أراداه أن يشبه القصة الخيالية المجسّدة في إنقاذ امرأة طيبة لصبي ضائع من دائرة العنف والنقص العاطفي.

لاقى الفيلم حفاوة نقدية عالمية واعتبره النقاد من أفضل الأفلام التي تتناول الطفولة وحصل على الجائزة الكبرى لمهرجان كان السينمائي لعام 2011 كما رشّح لجائزة أفضل فيلم أجنبي في الغولدن غلوب في السنة نفسها.

الفيلم: صبي الدراجة

Le gamin au velo

إنتاج: بلجيكا – فرنسا – إيطاليا 2011

إخراج: جان بيار ولوك درادين

كتابة: جان بيار ولوك درادين

تمثيل: توماس دوريه – سيسيل دو فرانس

المدة: 87 دقيقة

Freddie Mercury

“لن أكون نجم روك، سأكون أسطورة”

*****

بسرواله الأبيض وقميصه المزين برسوم غريبة، بشاربه الشهير وحيويته التي لا حدود لها، بصوته القويّ وأدائه المميّز، بكاريزمته الفريدة وموهبته الاستثنائية، جلس فريدي أمام بيانو مسرح ملعب ويمبلي في لندن عام 1985 ليبدأ بأداء أغنية Bohemian Rhapsody أمام 72 ألف مشاهد يهتفون ويصفقون له، في أشهر حفل لفرقة كوين على الإطلاق.

*****

لم يكن يعلم الطفل فاروق بولسارا المولود في زنجابار والذي ترعرع في الهند وبدأ بأخذ دروس في البيانو في سنّ السابعة أنه سيصبح أهمّ مغني روك في العالم، نشأت موهبة الطفل في سنّ الـ 12 سنة في مدرسة ساينت بيتر في بومباي عندما شارك مع زملائه في إنشاء فرقة The hectics المدرسية وكان يتمتع بقدرة الاستماع إلى الأغاني عن الراديو وعزفها على البيانو، لكن شاء القدر أن يغادر فاروق وعائلته الهند في سنّ الـ 17 في ظلّ أحداث العنف التي استهدفت الهنود والمسلمين وينتقل للعيش في فيلثام في المملكة المتحدة حيث تخرج من جامعة إيلنغ آرت وحصل على شهادته في الفنون وتصميم الجرافيك.

انضم الشاب الذي اختار لنفسه اسم فريدي إلى عدة فرق موسيقية لم يكتب لها النجاح قبل أن ينضم عام 1970 إلى براين ماي وروجر تايلور واختار لفرقتهم اسم كوين بعد أن غيّر اسم عائلته إلى ميركيري ليولد نجم الفرقة فريدي ميركري ويبدأ مشوار النجاح.

لم يكن فريدي مغنياً فحسب بل كان مؤدياً بارعاً ومؤلفاً موسيقياً موهوباً، ألف أهم أغاني فرقة كوين من Bohemian Rhapsody  الأشهر إلى We are the champions وكان يعزف على البيانو ويغني ويقدم استعراضاً متكاملاً في معظم حفلات الفرقة. كان يتمتع بصوت تينور مكّنه من تأدية أنواع مختلفة من الموسيقى من الروك إلى الأوبرا وكان يتلاعب بطبقة صوته لتتلائم مع نوع الأغنية ويغيرها أكثر من مرة في الأغنية الواحدة أحياناً بالرغم من أنه لم يخضع لأي تمرينات صوتية قبل مسيرته الفنية وفي خلالها.

تميّز فريدي بأدائه المسرحي الذي كان يجذب الجمهور ويبهره، وكان له قدرة سحرية على مشاركة الجمهور أغاني الفرقة على المسرح، وقد صوتت مجموعة المديرين التنفيذيين الموسيقيين لحفل لايف آيد لعام 1985 باعتباره أفضل أداء مباشر في تاريخ موسيقى الروك.

*****

“سبب نجاحنا يا عزيزتي هي الكاريزما الشاملة التي أتمتع بها بطبيعة الحال”

*****

دخل فريدي مسرح كو كلوب الذي يعلو بركة ماء في أيبيزا عام 1987 ببدلته الأنيقة إلى جانب مغنية الأوبرا الإسبانية الشهيرة مونسيرا كابالي، وبطاقته المعتادة بدأ أداء أغنية “برشلونة” للمرّة الأولى مع المغنية ذات الصوت الأوبرالي الضخم، لم ترافقه فرقة كوين هذه المرة بل باقة من عشرات عازفي الأوركسترا ليحوّل الثنائي المسرح في منتصف الأغنية إلى كتلة مشتعلة من الطاقة والتناغم والإيماءات في مزيج نادر ورائع بين البوب والأوبرا.

*****

بالإضافة إلى عمله مع فرقة كوين، سجّل فريدي ألبومين منفردَين وعدداً من الأغاني المنفردة الأخرى، حققت أغنية Living on my own  من ألبومه MR bad guy نجاحاً منقطع النظير بينما تميّز ألبومه الثاني بحسّه الأوبرالي حيث تعاون فيه مع مغنية الأوبرا الإسبانية مونسيرا كابالي في مزيج مميز بين الأوبرا والموسيقى الشعبية، حقق الألبوم نجاحاً هائلاً وكانت أشهر أغانيه أغنية “برشلونة” التي أعدّها الثنائي كنشيد رسمي للألعاب الأولمبية الصيفية لعام 1992 في برشلونة، لكنّ الموت غيّب فريدي قبل سنة من الحدث فغنتها كابالي في الحفل الافتتاحي للألعاب الأولمبية يرافقها فريدي على شاشة كبيرة تمّ نصبها وراءها.

*****

“أنا مهووس بالحبّ، أليس هذا حال الجميع؟”

*****

بالرغم من شخصيته الجريئة والحيوية على المسرح، إلا أنّ فريدي كان خجولاً جداً في الحياة ولم يكن يعطي الكثير من المقابلات الصحفية والتلفزيونية، وأكثر ما أثر فيه كانت علاقته بماري أوستن التي تعرف إليها عام 1970 لتربطهما علاقة عاطفية استمرت حتى عام 1976 عندما أفصح لها عن ميوله المثلية ما أدى إلى انفصالهما، لكنّ ماري تفهمت فريدي وبقيت صديقته المقربة وقد صرح في عدة مقابلات عن تعلقه بها وكتب لها عدة أغنيات منها أغنية كوين الشهيرة Love of my life وأصبح عراباً لابنها وترك لها منزله بعد وفاته حيث لا تزال تعيش فيه حتى الآن، بعد أن تحوّل جداره الخارجي إلى محجّاً لمعجبيه يتركون عليه كتابات ورسوم غرافيتي ليصبح معلماً رمزياً شهيراً في بريطانيا.

وفي عام 1985، جمعت فريدي علاقة عاطفية مع مصفف الشعر جيم هاتن دامت 6 سنوات حتى وفاته حيث بقي الرجل إلى جانبه واعتنى به في أيام مرضه. لم تكن مثلية فريدي محور حياته ولم تكن محلّ إنكار أيضاً، عاشها وتعايش معها لكنه لم يحوّل نفسه إلى ضحية في فترة كانت المثلية فيها من المحظورات، ولم يحوّل نفسه رمزاً لحقوق المثلية، ولم يتناول ميوله الجنسية إلا نادراً حيث كان الأمر عادياً بالنسبة إليه، لكنّ وفاته ساهمت كثيراً في نشر التوعية من مخاطر مرض الإيدز وسبل الوقاية منه وأصبح فريدي ميركيري من أشهر الشخصيات التي أصيبت بآفة هذا المرض.

*****

“لطالما علمت أنني سأكون نجماً ويبدو أنّ باقي العالم يوافقني الرأي الآن”

*****

لم يكن فريدي  يعرف أنّ هذا الأداء سيكون أداءه الأخير مع فرقة كوين وهو يصدح بكلمات أغنية Who wants to live forever ، جلّ ما كان يعرفه أنه لن يعيش إلى الأبد، فقد كان يحيي الحفل الأخير للفرقة من جولة The magic tour  وهو على علم بإصابته بمرض الإيدز الذي أخفى إصابته به حتى أيامه الأخيرة، غنى الرجل للمرة الأخيرة مع فرقته في التاسع من آب عام 1986 أمام بحر بشري وجمهور يفوق عدده الـ 300 ألف مشاهد، لم يأخذ المرض شيئاً من حيويته وقوة صوته على المسرح، غنى كأنه يغني لآخر مرة، وأدار ظهره ومضى.

*****

ساءت حالة فريدي الصحية عام 1991 بعد تعايشه لأربع سنوات مع مرض الإيدز، وبدأ يفقد نظره وقدرته على المشي ولازم الفراش رافضاً تناول أدويته إلا المسكنات كي يسرّع في موته. صرح فريدي في 23 تشرين الثاني عن إصابته بالمرض عازياً سبب إخفائه الأمر عن الجمهور إلى حماية عائلته وأصدقائه وراجياً تفهم معجبيه للأمر واحترام خصوصيته.

بعد 24 ساعة على إصدار البيان وفي مساء 24 تشرين الثاتي 1991، توفي فريدي في سريره عن سنّ يناهز الـ 45 سنة، رحل الرجل تاركاً وراءه تاريخاً من الأعمال الفنية التي خلدت ذكراه، ولا يزال يعتبر حتى اليوم أيقونة في عالم الروك وموهبة فنية لن تتكرر.

Starry Night Painting by Alex Ruiz

من على شرفتي في بيروت أتابع أخبار غزّة كل ليلة، غزّة تحت النار.. يتآمر الجميع عليها… أشعر بالخجل.. أحاول اختيار  فيلم لأشاهده وأكتب عنه مقالي السينمائي الأسبوعي.. ثم أتوقف.. أتردد… أشعر بالخجل.. هل أزيّن الموقع بصورة فيلم يتكلم عن التأمل والسكون والطمأنينة بينما أهل غزّة لا يذوقون طعم الطمأنينة؟ أقول لنفسي، لا بأس.. سأختار فيلماً يتناول موضوع المقاومة.. نصحني صديقي محمد من غزّة بفيلم “أغنيتنا” الذي يتناول القضية الفلسطينية والذي شارك فيه محمود درويش.. أبحث عن الفيلم لتحميله ولا أجده.. الفيلم فرنسي والفرنسيون بخلاء، لا يسمحون بمشاهدة أفلامهم مجاناً على الإنترنت.. لا بأس.. سأسأل محمد غداً من أين أحمّله..

محمد رفيقي في السهر.. لا ينام حتى يرى صباح غزّة.. ندردش منذ أكثر من سنة كل ليلة تقريباً.. محمد شاب مثقف وخلوق.. يدرس الإعلام في إحدى جامعات غزّة.. ندردش حتى بزوغ الفجر عن الأفلام والموسيقى.. ينصحني بتحميل ألبوم هذه الفرقة وأغاني تلك المغنية الفلسطينية والموشحات والأغاني الفلكلورية الفلسطينية والأغاني الصوفية.. محمد لا يرضى بتحميل الألبومات المنخفضة الجودة.. صدر ألبوم جديد شربل روحانا الجديد.. يسارع محمد إلى إرسال رابط التحميل إليّ ثم ما يلبث أن يسألني عن رأيي فيه.. نتناقش.. في الليلة التالية يرسل إليّ الألبوم نفسه بجودة عالية.. هل شاهدت فيلم عمر؟ يرسل إليّ رابط الفيلم.. الفيلم يتعدى الواحد جيغا يا محمد والإنترنت بطيء في بيروت.. يعلمني كيف أحمّل الفيلم على أجزاء.. يرسل إليّ برنامجاً لتسريع التحميل.. تمرّ ساعات الليل وأنا أعمل ومحمد يحدثني.. أستمع إلى أغنية زمان يا حبّ لفريد الأطرش.. أعشق هذه الأغنية لفريد الأطرش.. استعمتُ إلى نسخة مطوّلة منها من حفل مباشر على إذاعة الشرق وأنا أقود السيارة في جنوب لبنان.. سارعتُ إلى تحميلها وكتبت لمحمد.. صودف أنّه كان يستمع إليها.. “كل ما إطلع عالجنوب يا محمد بقول لحالي شو صرت قريب من فلسطين.. شو حلوة لو بسوق السيارة على غزّة بسهر عندك عالبحر”.. يبتسم محمد..

أحبّ الليل، لا أذكر آخر مرّة نمت فيها قبل بزوغ الفجر.. ومحمد رفيقي في السهر.. “الوضع خطير، يقولون إنّ الصهاينة سيشنّون حرباً قريبة على غزّة”.. لا تقلق يا محمد.. الله كريم.. تبدأ الحرب.. أخاف على محمد.. أطمأن عليه كل ليلة.. ماذا أقول له؟ الله كريم.. كتب رأفت مقالاً عن صديقه عمر في غزّة.. تذكرتُ محمد.. رأفت يخجل من صديقه عمر ولا يعرف ماذا يقول له.. تعرّفت إلى رأفت منذ أشهر من خلال مقالاته في الموقع.. عندما بدأت أكتب في الموقع قال لي صديقي بعنصرية اللبنانيين المعتادة: “ما لقيت إلا وبسايت فلسطيني تكتب فيه؟” تجادلنا طويلاً… الحاصلو.. أضفت رأفت على الفايسبوك.. لا أحبّ إضافة الأشخاص من أجل الإضافة فقط.. أرسلتُ إليه..

رأفت شاب جامعي من حيفا.. ناشط من حيفا.. يشارك في مظاهرات التنديد بالاحتلال.. وفي الحركات الاحتجاجية على تجنيد الفلسطينيين المسيحيين في الجيش الصهيوني.. رأفت مثابر على مناصرة حقوق الشعب الفلسطيني.. كسروا نظارته مرتين في المظاهرات.. “بدي حقّ نظارتي من الدولة الشرموط اللي كسرها حافظ شكله”، يقول رأفت.. حاولوا اعتقاله لكنه نفذ من بين أيديهم.. صوّروه يهتف ضدّ الاحتلال.. ينتظر على نافذته كل ليلة أن يأتي الجيش الإسرائيلي ويعتقله… رأفت يكتب مقالات جميلة.. أحرص على فتح صفحة رأفت على الفايسبوك بين الفينة والأخرى.. أليّك، أعلّق، أبتسم.. رأفت شاب شغوف ومرهف.. رأفت يحبّ ويكتب عن الحبّ.. يستمع إلى أم كلثوم ويكتب عن الحبّ… يتظاهر ضدّ الاحتلال ويكتب عن الحبّ.. يشاهد مسلسل “قلم حمرة” ويكتب عن الحبّ.. يلعن صمته وتردده ويكتب عن الحبّ.. يخبرني رأفت عن حياة الظلم التي يعيشها فلسطينيو الـ 48.. كيف يقف جندي الاحتلال وراءك في الجامعة ويدوس على قدمك ثم يعتذر بسخرية وتهكّم.. أعرف.. أقول له.. أخبرني أمير الكثير..

أمير طبيب فلسطيني يعيش في “تل أبيب”.. تعرفتُ إليه منذ سنوات على الفايسبوك.. أمير يحبّ نجاة الصغيرة مثلي.. لديه قناة تضم آلاف أغنيات الطرب على اليوتيوب.. يتمتع أمير بذوق مرهف في الموسيقى.. كلما استمتعتُ إلى أغنية جميلة أسارع إلى صفحة أمير وأشاركه إياها..  نتناقش أنا وأمير في أمور الحياة… يخبرني عن أحواله وأخبره عن أحوالي.. أمير شاب طيّب يحبّ مهنته ويحبّ معالجة الفقراء.. حصل على فرصة للعمل في كندا وتردد كثيراً… أرسل إلي طالباً نصيحتي.. أمير يحبّ أهله وعائلته ومهنته.. تردد كثيراً ثم عاد وسافر.. سأعود بعد سنة، يقول لي أمير.. لا أحتمل برودة الطقس والناس والحياة هنا.. أشتاق إلى بلدي وأهلي وعائلتي.. سأعود لأعالج الفقراء..

يتجدد القصف على غزّة.. أتصفح صفحتي على الفايسبوك.. أرى صورة لشاب يقولون إنه استشهد للتو.. الصورة غير واضحة.. تشوّه وجه الشاب جراء الشظايا التي أصابته.. أقرأ اسم الشاب.. إسم عائلته هو نفسه اسم عائلة محمد.. تنهمر دموعي وحدها.. أصاب بالهلع.. أكتب لمحمد…. محمد… ردّ عليي.. إنت منيح… لا يردّ… أسارع إلى فتح صفحته.. إن كان محمد هو الشاب الذي استشهد فستنهمر التبريكات بالشهادة على صفحته.. لا شيء يوحي بذلك… أعود إلى صفحة الدردشة.. يقول الفايسبوك إنّ محمد يكتب.. يثلج الفايسبوك قلبي قبل أن تثلجه كلماته المطمئنة.. أنا بخير، يكتب محمد.. هذا ابن عمّي.. كتب الله له الشهادة.. أفرح وأحزن ولا أعرف ماذا أقول له.. أخجل منه كما يخجل رأفت من عمر.. ماذا عساي أن أقول له؟ ماذا عساي أن أفعل لغزّة؟ الجميع يندد على الفايسبوك.. غضبي أكبر من التنديد.. ألعن الصهاينة وألعن مصر وألعن الأنظمة العربية وألعن القدر وألعن العدالة الإلهية وأشتم.. لا تشتم، يقول لي أخ صديقي.. تكون الرسالة أقوى من دون شتيمة.. لا أستطيع.. أشتمهم جميعاً.. يستحقون الشتيمة..

طلب مني رأفت إضافة صديقته على الفايسبوك وخلد إلى النوم.. أخبرني محمد مزهواً عن الخسائر الكبيرة التي مني بها العدو ولم يفصح عن عددها الحقيقي وخلد إلى النوم.. لم أكلم أمير منذ مدّة.. لا بأس.. سأهديه أغنية “في السفر” لنجاة الصغيرة على صفحته.. لا بدّ أنه في المستشفى فالوقت وقت عمل الآن في كندا..

سأرسل ما كتبته إلى رشا… لا أعلم إن كان ما كتبته قابلاً للنشر.. أفكار غير منظمة ومعلومات قد لا تهمّ أحد لكن لا بأس.. لتقرر هي..أي صورة أرفق مع ما كتبته؟ أحتار دائماً.. لن أختار صور المجازر.. أتجنب نشرها على الفايسبوك.. ربّما أزيّن الموقع بصورة عن الليل والسهر والأمل..

آه.. تذكرت.. قال لي أصدقائي الثلاثة في مناسبات مختلفة وكل على حدا.. “سنلتقي يوماً ما، أنا متأكد”.. وأنا أيضاً متأكّد… سنلتقي… سنلتقي…

عن موقع قاديتا

http://www.qadita.net/featured/wael-5/

مشهد من الفيلم

مشهد من الفيلم

الربيع..

هو بداية الحياة لعناصر الطبيعة كما هو بداية الحياة للطفل الذي يترعرع في ظلّ معلمه الناسك البوذي مع كلبهما، في هدوء وسكينة معبد يتوسط بحيرة تتوسط أشجاراً وأنهاراً وتلالاً وصخوراً وجبالاً في مشهد ساحر ومبهر.

يقضي الرجل والطفل وقتهما في جمع الأعشاب والصلاة والتأمل في الطبيعة، لكنّ سكون الطبيعة لا يتماهى مع طبيعة الإنسان التي تميل نحو الشرّ،

حتى براءة الأطفال تحمل شراً يبرز لدى الطفل وهو يستمتع بتعذيب الحيوانات، لكنّ المعلم له بالمرصاد، يعطيه دروساً في الحياة ويعرّضه لمواقف مماثلة تجعله يتكبد العذاب نفسه الذي سبّبه للحيوانات فيتّعظ الطفل ويبكي على فعلته، لكن هل ندمه وصلاته وتأملاته ستبعد عنه الشرّ الذي في طبيعة الإنسان؟

الصيف..

يكبر الطفل ويصبح مراهقاً وهو لا يزال يعيش حياة التأمل والتعلم مع الناسك وديكهما، والديك في الديانة البوذية رمز للرغبة والشغف، حتى تأتي أمّ وتترك ابنتها العليلة ليداويها الناسك.

تأخذ الغريزة البشرية مجراها ويبدأ الصراع لدى المراهق بين رغبته وشهوته وعاطفته وبين تعاليمه، فيراقب الفتاة سرّاً ويلمس ثديها وهي نائمة تحت تمثال بوذا لتستيقظ وتصفعه، فينكب على الصلاة وطلب المغفرة مذعوراً. ثم ما يلبث أن يأخذها إلى الغابة، بعيداً عن أعين الناسك ويطارحها الغرام في أحضان الطبيعة، ومجدداً في غرفة سيّده وهو نائم، ليستيقظ ويجدهما عاريَين في صباح اليوم التالي.

لا يوبّخ الناسك تلميذه بل يحذّره من أنّ الشهوة تؤدي إلى الرغبة في التملّك والتملّك يؤدي إلى القتل ويقول له إنّ الفتاة يجب أن تغادر. لا يتحمّل المراهق فراق حبيبته ليلة واحدة، فيحمل تمثال بوذا والديك ويمضي لملاقاتها، في دلالة على التخبّط بين تعاليم سيّده المتمثلة بتمثال بوذا والرغبة الجارفة التي تملكته والمتمثلة في الديك.

الخريف..

يعيش الناسك مع هرّة بيضاء، والهرّة في ثقافة شرق آسيا تتماهى مع المجون، وتعتبر في الثقافة الكورية طاردة للأرواح الشريرة. تصّح توقعات الرجل ويعود إليه تلميذه بعد ارتكابه إثماً سبق وحذّره منه معلمه، يصل الشاب مثقلاً بالغضب والندم والذنب ويمارس طقوس الانتحار أمام تمثال بوذا منتظراً الموت، لكنّ المعلم ينهال عليه بالضرب في مشهد يدلّ على أنّ التخلّص من الذنب لا يأتي بهذه السهولة، بل يجب أن يتكبّد الألم والشقاء ليُغفر له ذنبه.

يأتي شرطيان ليسوقان الرجل إلى العدالة، لكنّ الناسك يعلم أنّ على تلميذه التكفير عن ذنبه في كنف حياة التأمل والعبادة قبل التكفير عنه في الحياة المادية، فينكب على كتابة نصّ ديني أمام المنزل بواسطة ذيل الهرّة ليجعل تلميذه يحفر كلمات النصّ بسكّينه في مشهد جميل واستعارة بصرية تعبّر عن تأثير التعاليم المقدّسة في العالم المادي. ينكبّ التلميذ على حفر الكلمات بسكّينه حتى يغفو من التعب ويأخذه الشرطيان لتفيذ عقوبته القانونية في صباح اليوم التالي.

بعد مغادرة الرجل مع الشرطيين، يعلم الناسك أنّ مهمّته على الأرض قد انتهت فيمارس طقوس الانتحار نفسها التي حاول تلميذه القيام بها ولم ينجح، فيحرق نفسه في قاربه دون أي مقاومة أو ألم، يترافق ذلك مع انبعاث أفعى من البحيرة، تصعد إلى الدار العائم الذي كان يسكنه الرجل، في دلالة على تقمّص روحي يؤمن به البوذيون.

الشتاء..

أصبح التلميذ رجلاً ناضجاً (يلعب دوره المخرج نفسه) وعاد بعد تنفيذ حكمه إلى أحضان الطبيعة التي تعلم منها حكم الحياة ليجد المنزل خالياً إلا من الأفعى، والأفعى رمز للغضب في الثقافة البوذية. ينكبّ الرجل على الحفر في البحيرة المتجمّدة لاستخراج أسنان معلمه، ثم يحفر تمثالاً لبوذا في الجليد تحت شلال متجمد يضع فيه بقايا معلمه وتبدأ رحلة الصلاة وممارسة دروس الفنون القتالية.

تأتي امرأة إلى الدير من دون أن تظهر وجهها وتترك طفلها مع الرجل وتتعثر وتقع في البحيرة عند مغادرتها وتغرق. يبقى الطفل مع الرجل للاهتمام به، لكنه يكمل مهمته في التكفير عن ذنوبه قبل ذلك، فيربط حجراً ثقيلاً مستديراً بجسده، والحجر المستدير في البوذية هو رمز لعجلة الحياة والانبعاث، ويمضي في رحلة طويلة إلى أعالي الجبال ومعه تمثال مايترايا (بوذا المستقبلي) مستذكراً صور الحيوانات الي عذّبها في صغره حتى يصل إلى أعلى قمّة تحيط بالبحيرة بعد طول عناء ويضع التمثال فوقها وينكبّ على الصلاة ثم يغادر تاركاً التمثال على الحجر الدائري يطلّ على البحيرة وكأنه يرعاها.

الربيع مجدداً..

تستمرّ دورة الحياة، أصبح الرجل هو المعلم والطفل الذي تركته والدته التلميذ، ينكب الطفل على تعذيب الحيوانات كما كان يفعل معلمه في صغره، يبدأ بتعذيب السلحفاة التي تسكن معهما، والسلحفاة رمز تقليدي لطول العمر وتكهنات المستقبل، ثم يمضي إلى الطبيعة ليعذب حيوانات أخرى.

يقبع تمثال مايتريا خليفة بوذا التقليدي في أعلى الجبل، في المشهد النهائي، كأنه يراقب أفعال الطفل الشريرة التي كان يمارسها معلمه قبله، في مشهد يدلّ على إمكانية التحرر من العواقب الدورية للتصرفات المؤذية المتعمدة التي يمارسها الإنسان.

ربيع، صيف، خريف، شتاء… فربيع

يشكّل فيلم المخرج الكوري الجنوبي كيم كي دوك تأملاً نورانياً للحكمة البوذية ودورة الحياة البشرية في كنف مشاهد طبيعية برع المخرج في إبراز جماليتها، كذلك يبرز استعمال المخرج للفصول الأربعة كخلفية للتعالم الروحية عن المعاناة والرغبة والخسارة والتعلق والتحوّل.

يوصل الفيلم رسالة روحانية أكثر من كونها دينية من خلال تعاقب فصول الحياة وتكرر دورتها في تحفة فنية سينمائية برع المخرج في شدّ انتباه المشاهد إليها عبر مشاهد لا تخلو من السحر والإبهار، وقد حقق الفيلم نجاحاً عالمياً وحصد إعجاب الجماهير والنقاد ليصبح واحداً من أهمّ أفلام المخرج.

الفيلم: ربيع، صيف، خريف، شتاء… فربيع

Spring, Summer, Fall, Winter… and Spring

إنتاج: كوريا الجنوبية 2003

إخراج: كيم كي دوك

كتابة: كيم كي دوك

تمثيل: أويونغ سو – كيم كي دوك – كيم يونغ مين – هايو جين

المدة: 103 دقائق